Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
فصل في العبادات ومنفعتها في الدنيا والآخرة
ثم أن هذا الشخص هو النبي ليس مما يتكرر وجوده مثله في كل وقت؛ فإن المادة التي تقبل كمال مثاله تقع في القليل من الأمزجة؛ فيجب لا محالة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد دبر لبقاء ما يسنه ويشرعه في أمور المصالح الإنسانية تدبيرا عظيما. ولا شك أن القاعدة في ذلك هي استمرار الناس على معرفتهم بالصانع والمعاد، وحسم بسبب وقوع النسيان فيه مع انقراض القرن الذي يلي النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يكون على الناس أفعال وأعمال يسن تكرارها عليهم في مدد متقاربة حتى يكون الذي ميقاته بطل مصاقبا للمنقضي منه، فيعود به التذكر من رأس؛ وقبل أن ينفسخ يلحق عقابه. ويجب أن تكون هذه الأفعال مقرونة بما يذكر الله والمعاد لا محالة، وإلا فلا فائدة فيها، والتذكير لا يكون بألفاظ تقال، أو نيات تنوي في الخيال، وان يقال لهم: إن هذه الأفعال تقرب إلى الله تعالى، وستوجب بها الجزاء الكريم، وأنت كون تلك الأفعال بالحقيقة على هذه الصفة، وهذه الأفعال مثل العبادات المفروضة على الناس؛ وبالجملة يجب أن تكون المنبهات، والمنبهات إما حركات وإما أعدام حركات تفضي إلى حركات؛ فإما الحركات فمثل الصلاة، وأما أعدام الحركات فمثل الصوم، وإن كان معنى عدميا فإنه يحرك من الطبيعة تحريكا شديدا ينبه صاحبه أنه على جملة من الأمر ليس هزلا، فيتذكر سببا ما ينويه من ذلك أنه القرب إلى الله تعالى، ويجب أن أمكن أن تخلط بهذه الأحوال مصالح أخرى في تقوية السنة وبسطها. والمنافع الدنيوية للناس أيضا أن يفعل ذلك، وذلك مثل الجهاد والحج على أن يعين مواضع من البلاد بأنها أصلح المواضع لعبادة الله تعالى، وأنها خاصة لله تعالى، وتعين أفعال لا بد منها للناس وأنها في ذات الله تعالى مثل القرابين؛ فإنها مما يعين في هذا الباب معونة شديدة. والموضع الذي منفعته في هذا الباب هذه المنفعة إذا كان فيه المأوى الشارع ومسكنه فإنه يذكر به أيضا، وذكراه في المنفعة المذكورة تالية لذكر الله تعالى، والمأوى الواحد ليس يجوز أن يكون نصب عين الأمة كافة. فبالأحرى أن يفرض إليه مهاجرة وسفرة، ويجب أن يكون أشرف هذه العبادات من وجه هو ما يفرض متوليه أنه مخاطب لله تعالى ومناج إياه وصائر إليه وماثل بين يديه، وهذا هو الصلاة. فيجب أن يسن للمصلي من الأحوال التي يستعد بها للصلاة ما جرت العادة بمؤاخذة الإنسان نفسه به عند لقاء الملك الإنساني من الطهارة والتنظيف، وأن بسن في الطهارة والتنظيف سننا بالغة، وان يسن عليها فيها ما جرت العادة بمؤاخذة نفسه به عند لقاء الملوك من الخشوع والسكون وغض
Page 239