239

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

الخلق، وأنه قد أعد لمن أطاعه المعاد المسعد، ولمن عصاه المعاد المشقي، حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة بالسمع والطاعة، ولا ينبغي أن يشغلهم بشيء من معرفة الله تعالى فوق معرف أنه واحد لا شبيه له. فأما أن يعدي بهم إلى أن يكلفهم أن يصدقوا بوجوده وهو غير مشار إليه في مكان، ولا خارج العالم ولا داخله، ولا شيئا من هذا الجنس، فد عظم عليهم الشغل وشوش فيما بين أيديهم الدين، وأوقعهم فيما لا مخلص عنه، إلا لمن كان المعان الموفق الذي يشذ وجوده ويندر كونه، فإنه لا يمكنهم أن يتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلا بكد، وإنما يمكن القليل منهم أن يتصوروا حقيقة هذا التوحيد والتنزيه، فلا يلبثون أن يكذبوا بمثل هذه الوجوه، ويقعوا في تنازع وينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات التي تصدهم عن أعمالهم المدنية. وربما أوقعهم في آراء مختلفة لصلاح المدنية، ومنافية لواجب الحق، وكثر فيهم الشكوك والشبه، وصعب الأمر على الإنسان في ضبطهم، فما كل بميسر له في الحكمة الإلهية، ولا إنسان يصلح له أن يظهر أن عنده حقيقة يكتمها عن العامة، بل يجب أن لا يرخص في تعرض شيء من ذلك، بل يجب أن يعرفهم جلالة الله تعالى وعظمته بروز وأمثلة من الأشياء التي هي عندهم جليلة وعظيمة، ويلقي إليهم مع هذا، هذا القدر، أعني أنه لا نظير له ولا شريك له ولا شبيه له، وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد على وجه يتصورون كيفيته، وتسكن إليهم نفوسهم، ويضر للسعادة والشقاوة أمثالا مما يفهمونه وتصورونه. وأما الحق في ذلك فلا يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا، وهو أن ذلك الشيء لا عين رأته ولا أذن سمعنه، وأن هناك من اللذة ما هو ملك عظيم ومن الألم ما هو عذاب مقيم. واعلم أن الله تعالى يعلم أن وجه الخير في هذا، فيجب أن يوجد معلوم الله تعالى على وجهه على ما علمت، ولا بأس أن يشتمل خطابه به على رموز وإشارات تستدعي المستعدين بالجلبة للنظر إلى البحث الحكمي.

الفصل الثالث: (ج)

Page 238