Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتصل بكمالاتها بالذات وتنغمس في اللذة الحقيقية، وتتبرأ من النظر إلى ما خلفها، وإلى المملكة التي لها، كل التبرئ. ولو كان بقي فيها من ذلك أثر اعتقادي أو خلقي تأذت به، وتخلفت لأجله عن درجة العليين إلى أن تنفسخ وتزول.
المقالة العاشرة وفيها خمس فصول
الفصل الأول: (ا) فصل في المبدأ والمعاد بقول مجمل، وفي الإلهامات والمنامات، والدعوات المستجابة ، والعقوبات السماوية، وفي الأحوال النبوة، وفي حال أحكام النجوم فالوجود إذا ابتدأ من عند الأول لم يزل كل تال منه أدون مرتبة من الأول، ولا يزال ينحط درجات؛ فأول ذلك درجة الملائكة الروحانية المجردة التي تسمى عقولا، ثم مراتب الملائكة الروحانية التي تسمى نفوسا، وهي الملائكة العملة، ثم مراتب الأجرام السماوية، وبعضها أشرف من بعض إلى أن يبلغ آخرها، ثم بعدها يبتدئ وجود المادة القابلة للصورة الكائنة الفاسدة، فيلبس أول شيء صور العناصر ثم يتدرج يسيرا يسيرا فيكون أول الوجود فيها أخس وأدون مرتبة من الذي يتلوه، فيكون أخس ما فيه المادة ثم العناصر، ثم المركبات الجمادية، ثم النباتات، وأفضلها الإنسان، وبعده الحيوانات، ثم النبات، وأفضل الناس من استكملت نفسه عقلا بالفعل، ومحصلا للأخلاق التي تكون فضائل عملية، وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة النبوة وهو الذي في قواه النفسانية خصائص ثلاثة ذكرناها: وهي أن يسمع كلام الله تعالى، ويرى ملائكته وقد تحولت له على صورة يراها. وقد بينا كيفية هذا، وبينا أن هذا هو الذي يوحي إليه تتشبح الملائكة له ويحدث له في سمعة صوت يسمعه يكون من قبل الله والملائكة، فيسمعه من غير أن يكون ذلك كلاما من الناس والحيوان الأرضي، وهذا هو الموحى إليه؛ وكما أن أول الكائنات من الابتداء إلى درجة العناصر كان عقلا ثم نفسا ثم جرما، فههنا يبتدئ الوجود من الأجرام، ثم تحدب المفوس، ثم عقول،وإنما تفيض هذه الصور لا محالة من عند تلك المبادئ، والأمور الحادثة في هذا العالم تحدث من مصادمات القوة الفاعلة السماوية، والمنفعلة الأرضية تابعة لمصادمات القوى الفعالة السماوية، وأما القوى الأرضية فيتم حدوث ما يحدث فيها بسبب شيئيين:
Page 233