233

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

لأمر لازم، بل لأمر عارض غريب، والأمر العارض الغريب لا يدوم ولايبقى، ويزول ويبطل مع ترك الأفعال التي كانت تثبت تلك الهيئة بتكررها، فيلزم إذن أن تكون العقوبة التي بحسب ذلك غير خالدة، بل تزول وتنمحي قليلا قليلا حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصها. وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق فإنها إذا فارقت البدن وكانت غير مكتسبة للهيئات الردية صارت إلى سعة من رحمة الله تعالى ونوع من الراحة، وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية وليس لها عندها هيئة غير ذلك معنى تضاده وتنافيه فتكون لا محالة ممنوة بشوقها إلى مقتضاها، فتعذبت عذابا شديدا بفقد البدن ومقتضيات البدن من غير أن يحصل المشتاق إليه، لأن آلة ذلك قد بطلت وخلق التعلق بالبدن قد بقي. ويشبه أيضا أن يكون ما قاله بعض العلماء حقا وهو أن هذه الأنفس إن كانت زكية وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون لامثالهم على مثل ما يمكن أن يخاطب به العامة وتصور ذلك في أنفسهم من ذلك، فإنهم إذا فارقوا الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة، ولا شوق كمال فيشقوا تلك الشقاوة، بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل منجذبة إلى الأجسام، ولا منع من المواد السماوية من أن تكون موضوعة بفعل نفس فيها، قالوا فإنها تتخيل جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال الأخروية، وتكون الآلة التي يمكنها بها التخيل شيئا من الأجرام السماوية فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية، وتكون الأنفس الردية أيضا تشاهد العقاب بحسب ذلك المصور لهم في الدنيا وتقاسيه، فإن الصور الخيالية ليست تضعف عن الحسية بل تزداد عليها تأثيرا وصفاء كما يشاهد في المنام، فربما كان المحلوم به أعظم شأنا في بابه من المحسوس، على أن الأخروي أشد استقرارا من الموجود في المنام بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل، وليست الصورة التي ترى في المنام، بل ولا التي تحس في اليقظة،كما علمت. إلا المرتسمة في النفس. إلا أن أحدهما يبتدئ من باطن وينحدر إليه،والثانب يبتدئ من خارج ويرتفع إليه فإذا ارتسم في النفس تم هناك الإدراك المشاهد،وإنما يلذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس لا الموجود من خارج،فكلما ارتسم في النفس فعل فعله وأن لم يكن يسبب من خارج، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج هو السبب بالعرض أو سبب السبب. فهذه هي السعادة والشقاوة الخسيستان اللتان بالقياس إلى الأنفس الخسيسة، وأما الأنفس المقدسة فإنها

Page 232