232

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

الجزئية التي لا تتناهى، وتتقرر عندها هيئة الكل ونسب أجزاء بعضها إلى بعض، والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه، وتتصور العناية وكيفيتها، وتتحقق أن الذات المتقدمة للكل أي وجود يخصها، وأية وحدة تخصها، وأنها تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه من الوجوه، وكيف ترتيب نسبة الموجودات إليها. ثم كلما ازداد الناظر استبصارا ازداد للسعادة استعدادا، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك العالم فصار له شوق إلى ما هناك وعشق لما هناك فصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة. ونقول أيضا: إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس، ولنقدم لذلك مقدمة، وكأنا قد ذكرناها فيما سلف، فنقول: إن الخلق هو ملكة يصدر بها من النفس أفعالا ما بسهولة من غير تقدم روية، وقد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين لا بأن أفعال التوسط دون أن تحصل ملكة التوسط، بل أن تحصل التوسط، وملكة التوسط ملكة كأنها موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معا، أما القوى الحيوانية فبأن تحصل فيها هيئة الإذعان، وأما القوة الناطقة فبأن تحصل فيها هيئة الاستعلاء والانفعال، كما أن ملكة الإفراط والتفريط موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معا، ولكن بعكس هذه النسبة. ومعلوم أن الإفراط والتفريط هما مقتضى القوى الحيوانية، وإذا قويت القوى الحيوانية وحصل لها ملكة استعلائية حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية وأثر انفعالي قد رسخ في النفس الناطقة من شأنها أن يجعلها قوية العلاقة مع البدن شديدة الانصراف إليه. وأما ملكة التوسط فالمراد منها التنزيه عن الهيئات الانتقادية وتبقية النفس الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزيه، وذلك غير مضاد لجوهرها ولا مائل بها إلى جهة البدن، بل عن جهته، فإن المتوسط يسلب عنه الطرفان دائما. ثم جوهر النفس إنما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه، ويغفله عن الشوق الذي يخصه، وعن طلب الكمال الذي له، وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل، والشعور بألم الكمال إن قصر عنه، لا بأن النفس منطبعة في البدن أو منغمسة فيه، ولكن العلاقة التي كانت بينهما وهو الشوق الجبلي إلى تدبيره والاشتغال بآثاره وبما تورده عليه من عوارضه، وبما يتقرر فيه من ملكات مبدؤها البدن، فإذا فارق وفيه الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به كان قريب الشيه من حله وهو فيه، فيما ينقص من ذلك تزول غفلته بمحل سعادته، ويحدث هناك من الحركات المشوشة ما يعظم أذاه. ثم أن تلك البدنية مضادة لجوهرها مؤذية له، وإنما كان يلهيها عنها أيضا البدن وتمام انغماسها فيه، فإذا فارقت النفس البدن أحست بتلك المضادة العظيمة وتأذت بها أذى عظيما، لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس

Page 231