231

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

ومعشوقها كما ينسى المرض الحاجة إلى بدل مل يتحلل وكما ينسى المرض الاستلذاذ بالحلو واشتهاؤه، ويميل بالشهوة من المريض إلى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم لفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها، فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعد لهما تفريق النار للاتصال وتبديل الزمهرير للمزاج، فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف، أي الذي قد عملت فيه نار أو زمهرير، فمنعت المادة الملابسة وجه الحس عن الشعور به فلم يتأذ، ثم عرض أن أزال العائق فشعر بالبلاء العظيم. وأما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه، كان مثلها مثل الخدر الذي أذيق المطعم الألذ وعرض للحالة الأشهى وكان لا يشعر به، فزال عنه الخدر وطالع اللذة العظيمة دفعة، وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه، بل لذة تشاكل الحال الطيبة التي هي للجواهر الحية المحضة، وهي أجل من كل لذة وأشرف. فهذه هي السعادة وتلك هي الشقاوة، وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين، بل للذين اكتسبوا للقوة العقلية التشوق إلى كمالها وذلك عندما يبرهن لهم أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل، فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول، ولا أيضا في سائر القوى، بل شعورا أكثر القوى بكمالاتها إنما يحدث بعد أسباب. وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة، فكأنها هيولي موضوعة، لم تكتسب البتة هذا التشوق؛ لأن هذا التشوق إنما يحدث حدوثا وينطبع في جوهر النفس إذا برهن للقوة النفسانية أن ههنا أمورا يكتسب العلم بها الحدود الوسطى على ما علمت. وأما قبل ذلك فلا يكون، لأن هذا التشوق يتبع رأيا؛ غذ كل شوق يتبع رأيا، وليس هذا الرأي للنفس رأيا أوليا بل رأيا مكتسبا. فهؤلاء إذا اكتسبوا هذا الرأي، لزم النفس ضرورة هذا الشوق؛ وإذا فارقت ولم يحصل معها ما تبلغ به بعد الانفصال التام وقعت في هذا النوع من الشقاء الأبدي؛ لأن أوائل الملكة العلمية إنما كانت تكتسب بالبدن لا غير وقد فات، وهؤلاء إما مقصرون عن السعي في كسب الكمال الأسنى، وإما معاندون جاحدون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية، والجاحدون أسوأ حالا لما اكتسبوا من هيآت مضادة للكمال. وأما أنه ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور المعقولات حتى يجاوز به الحد الذي في مثله تقع هذه الشقاوة، وفي تعديه وجوازه ترجى هذه السعادة، فليس يمكنني أن أنص عليه نصا إلا بالتقريب. وأظن أن ذلك أن يتصور نفس الإنسان المبادئ المفارقة تصورا حقيقيا، وتصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عندها بالبرهان وتعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون

Page 230