Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
بالأبدان، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقوامها، ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كلع مشاهدة لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق المطلق ومتحدة به ومنتقشة بمثاله وهيئته ومنخرط في سلكه وصائرة من جوهره، فإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى وجد في المرتبة التي بحيث يقبح معها أن يقال: إنه أفضل وأتم منها بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكثرة وسائر ما يتم به التذاذ المدركات مما ذكرناه. وأما الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد. وأما شدة الوصول فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله حتى يكون كأنه هو هو بلا انفصال؛ إذ العقل والعاقل و المعقول واحد أو قريب من الواحد، وأما أن المدرك في نفسه أكمل فأمر لا يخفى، وأما أنه أشد إدراكا أيضا فأمر تعرفه بأدنى تأمل وتذكر لما سلف بيانه، فإن النفس النطقية أكثر عدد مدركات، وأشد تقصيا للمدرك وأشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلا بالعرض ولها الخوض في باطن المدرك وظاهره، بل كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك أو كيف تقاس هذه اللذة باللذة الحسية والبهيمية والغضبية، ولكنا في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا في الرذائل لا نحس بتلك اللذة إذا حصل عندنا شيء من أسبابها كما أومأنا إليه في بعض ما قدمناه من الأصول ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها اللهم إلا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما عن أعناقنا، وطالعنا شيئا من تلك اللذة، فحينئذ ربما تخيلنا منها خيالا طفيفا ضعيفا، وخصوصا عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات النفسية ونسبة التذاذنا هذا إلى التذاذ ذلك، ونسبة التذاذ الحسي بنشق روائح المذاقات اللذيذة إلى الالتذاذ بتطعمها، بل ابعد من ذلك بعدا غير محدود. وأنت تعلم إذا تأملت عويصا يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين الظفرين، استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس؛ والأنفس العامية أيضا فإنها تترك الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح او خجل أو تغيير أو سوء قاله. وهذه كلها أحوال عقلية تؤثر هي وأضداد )ها( على المؤثرات الطبيعية ويصبر لها على المكروهات الطبيعية فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على النفس من محقرات الأشياء فكيف الأمور البهية العالية؟ إلا أن النفس الخسيسة تحس بما يلحق المحقرات من الخير والشر، ولا تحس بما يلحق الأمور البهية لما قيل من المعاذير. وأما إذا انفصلنا عن البدن، وكانت النفس منا تنبهت في البدن لكمالها الذي هو معشوقها ولم تخصله، وهي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالفعل أنه موجود. إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها
Page 229