229

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

أكمل فعلا وأفضل، والذي هو في نفسه أشد إدراكا؛ فاللذة التي له هي أبلغ وأوفر لا محالة، وهذا أصل. وأيضا قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما بحيث يعلم أنه كائن ولذيذ ولا يتصور كيفيته ولا يشعر بالتذاذه ما لم يحصل، وما لم يشعر به لم يشتق إليه ولم ينزع نحوه، مثل العنين فإنه متحقق أن الجماع لذة لكنه لا يشتهيه ولا يحن نحوه الاشتهاء والحنين اللذين يكونان مخصوصين به، بل شهوة أخرى كما يشتهي من يجرب من حيث يحصل به إدراك وإن كان مؤذيا، وبالجملة، فإنه لا يتخيله. وكذلك حال الأكمة عند الصور الجميلة، والأصم عند الألحان المنتظمة، ولهذا يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهي كما للحمار في بطنه وفرجه، وأن المبادئ الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة اللذة والغبطة، وأن رب العالمين ليس له في سلطانه وخاصيته البهاء الذي له وقوته الغير متناهية أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب نجله عن أن نسميه لذة، وللحمار والبهائم حالة طيبة ولذيذة، كلا بل أي نسبة تكون لما للعالية إلى هذه الخسيسة، ولكنا نتخيل هذا ونشاهده ولم نعرف ذلك بالاستشعار بل بالقياس، فحالنا عنده كحال الأصم الذي لم يسمع قط، في عدم تخيل اللذة اللحنية وهو متيقن لطيبها، وهذا أصل. وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الداركة وهناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده عليه مثل كراهية بعض المرضى للطعم الحلو وشهوتهم للطعوم الردية الكريهات بالذات، وربما لم يكن كراهية، ولكن كان عدم الاستلذاذ به كالخائف يجد الغلبة أو اللذة فلا يشعر بها ولا يستلذها، وهذا أصل. وأيضا فإنه قد تكون القوة الداركة ممنوه بما هو ضد ما هو كمالها ولا تحس به ولا تنفر عنه حتى إذا زال العائق ورجعت إلى غريزتها تأذت به مثل الممرور فربما لا يحس بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه ويستنقي أعضاءه، فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له، وكذلك قد يكون الحيوان غير مشته الغذاء البتة، بل كارها له، وهو أوفق شيء له ويبقى عليه مدة طويلة، فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه، فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك عند فقدانه، وقد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق النار وتبريد الزمهرير إلا أن الحس مئوف فلا يتأذى البدن به حتى يزول الآفة فيحس حينئذ بالألم العظيم. فإذا تقررت هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمه فنقول: إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدئة من نبدأ الكل سالكة إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما

Page 228