218

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

بذاته على جهة تلزم عنه الكثرة الأولى بجزئيها، أعني المادة والصورة، والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها، كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل الذي يحاذي صورة الفلك، وكذلك الحال في عقل عقل، وفلك فلك، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا، وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق؛ فإنا نقول: إنه إن لزم وجود كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة. وقولنا هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة يلزم كثرته هذه المعلولات؛ ولا هذه العقول متفقة الأنواع، حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. ولنبتدىء لبيان هذا المعنى ابتداء آخر فنقول: إن الأفلاك كثيرة فوق العدد الذي في المعلول الأول من جهة كثرته المذكورة، وخصوصا إذا فصل كل فلك إلى صورته ومادته، فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول، ولا أيضا يجوز أن يكون كل جرم متقدم منها علة للمتأخر، وذلك لأن الجرم بما هو جرم لا يجوز أن يكون مبدأ جرم، وبما له قوة نفسانية لا يجوز أن يكون مبدأ جرم ذي نفس أخرى؛ وذلك لأنا بينا أن كل نفس لكل فلك فهي كماله وصورته وليس جوهرا مفارقا وإلا لكان عقلا لا نفسا، وكان لا يتحرك ألبتة على سبيل التشوق وكان لا يحدث فيه من حركة الجرم تغير، ومن مشاركة الجرم تخيل وتوهم، وقد ساقنا النظر إلى إثبات هذه الأحوال لأنفس الأفلاك كما علمت، وإذا كان الأمر على هذا، فلا يجوز أن تكون أنفس الأفلاك تصدر عنها أفعال في أجسام أخرى غير أجسامها إلا بوساطة أجسامها، فإن صور الأجسام وكمالاتها على صنفين: إما صور قوامها بمواد الأجسام، فكما أن قوامها بمواد تلك الأجسام، فكذلك ما يصدر عن قوامها يصدر بواسطة مواد تلك الأجسام؛ ولهذا السبب فإن النار لا تسخن حرارتها أي شيء اتفق بل ما كان ملاقيا لجرمها، أو من جسمها بحال. والشمس لا تضيء كل شيء، بل ما كان مقابلا لجرمها. وإما صور قوامها بذاتها لا بمواد الأجسام، كالأنفس؛ ثم كل نفس فإنما جعلت خاصة لجسم بسبب أن فعلها بذلك الجسم وفيه. ولو كانت مفارقة الذات والفعل جميعا لذلك الجسم، لكانت نفس كل شيء لا نفس ذلك الجسم فقط. فقد بان على الوجوه كلها أن القوى السماوية المنطبعة بأجسامها، لا تفعل إلا بواسطة جسمها. ومحال أن تفعل بواسطة الجسم نفسا، لأن الجسم لا يكون متوسطا بين نفس ونفس؛ فإن كانت تفعل نفسا بغير توسط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم واختصاص بفعل مفارق لذاتها وذات الجسم. وهذا غير الأمر الذي نحن في ذكره، وإن لم تفعل نفسا، لم تفعل جرما سماويا؛ لأن النفس متقدمة على الجسم في المرتبة و الكمال؛ فإن وضع لكل فلك شيء يصدر عنه في فلكه شيء وأثر من

Page 217