217

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

للمادة مستغنية بنفسها؛ فبين أنه لا يجوز أن يكون المعلول الأول صورة مادية أصلا ولا أن يكون مادة أظهر؛ فوجب أن يكون المعلول الأول صورة غير مادية أصلا بل عقلا، وأنت تعلم إن ههنا عقولا ونفوسا مفارقة كثيرة؛ فمحال أن يكون وجودها مستفادا بتوسط ما ليس له وجود مفارق؛ لكنك تعلم أن في جملة الموجودات عن الأول أجساما؛ إذ علمت أن كل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه وأنه يجب بغيره، وعلمت أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول تعالى بغير واسطة، فهي كائنة عنه بواسطة وقد علمت أنه لا يجوز أن تكون الواسطة وحدة محضة لا اثنينية فيها، فقد علمت أن الواحد من حيث هو واحد إنما يوجد عنه واحد، فبالحرى أن يكون عن المبدعات الأول بسبب إثنينية يجب أن يكون فيها ضرورة أو كثرة كيف كانت، ولا يمكن في العقول المفارقة شيء من الكثرة إلا على ما أقول: إن المعلول بذاته ممكن الوجود، وبالأول واجب الوجود، ووجوب وجوده بأنه عقل، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول ضرورة، فيجب أن يكون فيه من الكثرة معنى عقله لذاته ممكنة الوجود في حيزها، وعقله وجوب وجوده من الأول المعقول بذاته، وعقله للأول، وليست الكثرة له عن الأول؛ فإن إمكان وجوده أمر له بذاته لا بسبب الأول، بل له من الأول وجوب وجوده، ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة لوجوب وجوده عن الأول، ونحن لا نمنع أن يكون عن شيء واحد ذات واحدة، ثم يتبعها كثرة إضافية ليست في أول وجوده ولا داخلة في مبدأ قوامه، بل يجوز أن يكون الواحد يلزم عنه واحد، ثم ذلك الواحد يلزمه حكم وحال، أو صفة، أو معلول؛ ويكون ذلك أيضا واحدا؛ ثم يلزم عنه بمشاركة ذلك اللازم شيء، فيتبع من هناك كثرة كلها يلزم ذاته، فيجب إذن أن تكون مثل هذه الكثرة هي العلة لإمكان وجود الكثرة فيها عن المعلولات الأول، ولولا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منه إلا واحدة، ولم يمكن أن يوجد عنها جسم، ثم لا إمكان للكثرة هناك إلا على هذا الوجه فقط، وقد بان لنا فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة العدد، فليست إذن موجودة معا عن الأول بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأول عنه ثم يتلوه عقل وعقل؛ ولأن تحت كل عقل فلكا بمادته وصورته التي هي النفس وعقلا دونه، فتحت كل عقل ثلاثة أشياء في الوجود، فيجب أن يكون إمكان وجود هذه الثلاثة عن العقل الأول في الإبداع لأجل التثليث المذكور، والأفضل يتبع الأفضل من جهات كثيرة، فيكون إذن العقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته، وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك الأقصى، وكمالها وحي النفس، وبطبيعة إمكان الوجود الحاصلة له المندرجة في تعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأقصى المندرجة في جملة ذلك الفلك الأقصى بنوعه، وهو الأمر المشارك للقوة فيما يعقل الأول، يلزم عنه عقل وبما يختص

Page 216