219

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

غير أن يستغرق ذاته في شغل ذلك الجرم وبه، ولكن ذاته مباينة في القوام وفي الفعل لذلك الجسم، فنحن لا نمنع هذا، وهذا هو الذي نسميه العقل المجرد، ونجعل صدور ما بعده عنه، ولكن هذا غير المنفعل عن الجسم وغير المشارك إياه، والصائر صورة خاصة به، والكائن عن الجهة التي حدثنا عنها حين أثبتنا هذه النفس. فقد بان ووضح أن للأفلاك مباديء غير جرمانية، وغير صور الأجرام. وأن كل فلك يختص بمبدأ منها، والجميع يشترك في مبدأ واحد. ومما لا شك فيه أن ههنا عقولا بسيطة مفارقة، تحدث مع حدوث أبدان الناس، ولا تفسد بل تبقى. وقد تبين ذلك في العلوم الطبيعية، وليست صادرة عن العلة الأولى؛ لأنها كثيرة مع وحدة النوع، ولأنها حادثة فهي إذن معلولات الأول بتوسط. ولا يجوز أن تكون العلل الفاعلية المتوسطة بين الأولى وبينها، دونها في المرتبة؛ فلا تكون عقولا بسيطة ومفارقة؛ فإن العلل المعطية للوجود أكمل وجودا، أما القابلة للوجود فقد تكون أخس وجودا؛ فيجب إذن أن يكون المعلول الأول عقلا واحدا بالذات، ولا يجوز أيضا أن تكون عنه كثرة متفقة النوع؛ وذلك لأن المعاني المتكثرة التي فيه، وبها يمكن وجود الكثرة فيه إن كانت مختلفة الحقائق، كان ما يقتضيه كل واحد منها شيئا غير ما يقتضي الآخر في النوع. فلم يلزم كل واحد منها ما يلزم الآخر، بل طبيعة أخرى وأن كانت متفقة الحقائق فبماذا تخالفت وتكثرت، ولا انقسام مادة هناك؟ فإذن المعلول الأول لا يجوز عنه وجود كثرة إلا مختلفة الأنواع، فليست هذه الأنفس الأرضية أيضا كائنة عن المعلول الأول بلا توسط علة أخرى موجودة؛ وكذلك عن كل معلول أول عال حتى ينتهي إلى معلول أول كونه مع كون الاسقاطات القابلة للكون والفساد، المتكثرة بالنوع والعدد معا. فيكون تكثر القابل سببا لتكثر فعل مبدأ واحد بالذات. وهذا بعد استتمام وجود السماويات كلها؛ فيلزم دائما عقل بعد عقل حتى تتكون كرة القمر ثم تتكون الاسقاطات، وتتهيأ لقبول تأثير واحد بالنوع كثير بالعدد عن العقل الأخير. فإنه إذا لم يكن السبب في الفاعل، وجب في القابل ضرورة. فإذن يجب أن يحدث عن كل عقل عقل تحته، ويقف حيث يمكن أن تحدث الجواهر العقلية منقسمة متكثرة بالعدد، لتكثر الأسباب، فهناك ينتهي. وقد اتضح وبان أن كل عقل هو أعلى في المرتبة، فإنه لمعنى فيه، وهو أنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه، وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه وجرمه وجرم الفلك كائن عنه، ومستبقى بتوسط النفس الفلكية؛ فإن كل صورة فهي علة لأن يكون مادتها بالفعل، لأن المادة نفسها لا قوام لها.

الفصل الخامس (ه)

Page 218