216

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

جهاته، وفرغنا من بيان هذا الغرض قبل. فلا يجوز أن يكون أول الموجودات عنه - وهي المبدعات - كثيرة لا بالعدد ولا بالانقسام إلى مادة وصورة؛ لأنه يكون لزوم ما يلزم عنه هو لذاته، لا لشيء آخر. والجهة والحكم الذي في ذاته الذي يلزم عنه هذا الشيء ليست الجهة والحكم الذي في ذاته الذي يلزم عنه، لا هذا الشيء بل غيره؛ فإن لزم منه شيئان متباينان بالقوام، أو شيئان متباينان يكون منهما شيء واحد: مثل مادة وصورة، لزوما معا، فإنما يلزمان عن جهتين مختلفتين في ذاته؛ وتانك الجهتان إن كانتا لا في ذاته بل لازمتين لذاته، فالسؤال في لزومهما له ثابت حتى تكونا في ذاته، فتكون ذاته منقسمة المعنى، وقد منعنا هذا قبل وبينا فساده؛ فتبين إن أول الموجودات عن العلة الأولى واحد بالعدد، وذاته وماهيته واحدة لا في مادة، فليس شيء من الأجسام ولا من الصور التي هي كمالات للأجسام معلولا قريبا له، بل المعلول الأول عقل محض؛ لأنه صورة لا في مادة، وهو أول العقول المفارقة التي عددناها ويشبه أن يكون هو المبدأ المحرك للجرم الأقصى على سبيل التشويق. ولكن لقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يكون الحادث عن المبدأ الأول صورة مادية، لكنها يلزم عنها وجود مادتها فنقول: إن هذا يوجب أن تكون الأشياء التي بعد هذه الصورة وهذه المادة تالية في درجة المعلولات، وأن يكون وجودها بتوسط المادة، فتكون المادة سببا لوجود صور الأجسام الكثيرة في العالم وقواها، وهذا محال؛ إذ المادة وجودها إنها قابلة فقط وليست سببا لوجود شيء من الأشياء على غير سبيل القبول. فإن كان شيء من المواد ليس هكذا فليس هو مادة إلا باشتراك الاسم فيكون إن كان الشيء المفروض ثابتا ليس على صفة المادة إلا باشتراك الاسم، فالمعلول الأول لا تكون نسبته إليه على إنه صورة في مادة إلا باشتراك الاسم، فإن كان هذا الثاني من جهة توجد عنه هذه المادة، ومن جهة أخرى توجد صورة شيء آخر، حتى لا تكون الصورة الأخرى موجودة بتوسط المادة، كانت الصورة المادية تفعل فعلا لا يحتاج فيه إلى المادة، وكل شيء يفعل فعله من غير أن يحتاج إلى المادة فذاته أولا غنية عن المادة، فتكون الصورة المادية غنية عن المادة. وبالجملة فإن الصورة المادية وإن كانت علة للمادة في أن تخرجها إلى الفعل وتكملها فإن للمادة أيضا تأثيرا في وجودها وهو تخصيصها وتعيينها، وإن كان مبدأ الوجود من غير المادة كما قد علمت، فيكون لا محالة كل واحد منهما علة للأخرى في شيء، وليسا من جهة واحدة؛ ولولا ذلك لاستحال أن يكون للصورة المادية تعلق بالمادة بوجه من الوجوه؛ ولذلك قد سلف منا القول: أن المادة لا يكفي في وجودها الصورة فقط، بل الصورة كجزء العلة؛ وإذا كان كذلك فليس يمكن أن تجعل الصورة من كل وجه علة

Page 215