215

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

فصل في ترتيب وجود العقل والنفوس السماوية والأجرام العلوية عن المبدأ الأول.

قد صح لنا في ما قدمناه من القول أن الواجب الوجود بذاته واحد، وأنه ليس بجسم ولا في جسم ولا منقسم بوجه من الوجوه، فإذن الموجودات كلها وجودها عنه، ولا يجوز أن يكون له مبدأ بوجه من الوجوه ولا سبب لا الذي عنه، ولا الذي فيه أو به يكون، ولا الذي له، حتى يكون لأجل شيء، فلهذا لا يجوز أن يكون كون الكل عنه على سبيل قصد منه كقصدنا لتكوين الكل ولوجود الكل فيكون قاصدا" لأجل شيء غيره وهذا الفصل قد فرغنا من تقريره في غيره؛ وذلك في أظهر، ونخصه من بيان امتناع أن يقصد وجود الكل عنه إن ذلك يؤدي إلى تكثره في ذاته؛ فإنه حينئذ يكون فيه شيء بسببه يقصد، وهو معرفته وعلمه لوجوب القصد أو استحبابه أو خيرية فيه توجب ذلك، ثم قصد، ثم فائدة يفيدها إياه القصد على ما أوضحنا قبل؛ وهذا محال؛ وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ، ولا لرضى منه، وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته؟ فيجب أن يعقل إنه يلزمه وجود الكل عنه؛ لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلا محضا ومبدأ أولا، وإنما يعقل وجود الكل عنه على إنه مبدأه وليس في ذاته مانع كاره لصدور الكل عنه، وذاته عالمة بأن كماله وعلوه بحيث يفيض عنه الخير، وإن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاتها، وكل ذات يعلم ما يصدر عنه، ولا تخالطه معاوقة ما بل يكون على ما أوضحنا بيانه؛ فإنه راض بما يكون عنه؛ فالأول راض بفيضان الكل عنه، ولكن الحق الأول إنما فعله الأول وبالذات إنه يعقل ذاته التي هي لذاتها مبدأ لنظام الخير في الوجود؛ فهو عاقل لنظام الخير في الوجود، وإنه كيف ينبغي أن يكون، لا عقلا خارجا عن القوة إلى الفعل، ولا عقلا منتقلا، من معقول

إلى معقول؛ فإن ذاته بريئة عما بالقوة من كل وجه على ما أوضحناه قبل، بل عقلا واحدا"، ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود أن يعقل إنه كيف يمكن، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقوله؛ فإن الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها على ما علمت، علم وقدرة وإرادة. وأما نحن فنحتاج في تنفيذ ما نتصوره إلى قصد وحركة وإرادة حتى توجد، وهو لا يحسن فيه ذلك ولا يصح له لبرائته عن الاثنينية، وعلى ما أطنبنا في بيانه فتعقله علة للوجود على ما يعقله ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده وتبع لوجوده، لا إن وجوده لأجل وجود شيء آخر غيره، وهو فاعل الكل بمعنى إنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضانا مباينا لذاته، ولأن كون ما يكون عن الأول إنما هو على سبيل اللزوم إذا صح أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع

Page 214