Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
عنه وجود الكل لا طلبا" وقصدا". فيجب أن يكون الشوق إليه من طريق التشبه على هذه الصورة، لا على ما يتعلق للأول به كمال. فإن قال قائل: إنه كما قد يجوز أن يستفيد الجرم السماوي بالحركة خيرا" وكمالا، والحركة فعل له مقصود، فكذلك لسائر أفاعيلها؛ فالجواب إن الحركة ليست تستفيد كمالا وخيرا"، وإلا لانقطعت عنده، بل هي نفس الكمال الذي أشرنا إليه. وهي بالحقيقة استثبات نوع ما يمكن أن يكون للجرم السماوي بالفعل، إذ لا يمكن استثبات الشخص له. فهذه الحركة لا تشبه سائر الحركات التي تطلب كمالا خارجا عنها، بل يكمل لهذه الحركة نفس المتحرك عنها بذاتها؛ لأنها نفس استبقاء الأوضاع والأيون على التعاقب. وبالجملة يجب أن ترجع إلى ما فصلناه فيما سلف حين بينا إن هذه الحركة كيف تتبع تصور المتشوق، وهذه الحركة شبيهة بالثبات. فإن قال قائل: إن هذا القول يمنع وجود العناية بالكائنات والتدبير المحكم الذي فيها؛ فإنا سنذكر بعد ما نزيل هذا الإشكال، ونعرف إن عناية الباري بالكل على أي سبيل هي، وإن عناية كل علة بما بعدها على أي سبيل هي، وأن الكائنات التي عندنا كيف العناية بها من المبادئ الأولى ومن الأسباب التي وسطها. وقد اتضح بما أوضحناه إنه لا يجوز أن يكون شيء من العلل يستكمل بالمعلول بالذات لا بالعرض، وإنها لا تقصد فعلا لأجل المعلول وإن كان ترضى به وتعلمه. بل كما إن الماء يبرد بذاته بالفعل ليحفظ نوعه لا ليبرد غيره، ولكن يلزمه أن يبرد غيره؛ والنار تسخن بذاتها بالفعل لتحفظ نوعها لا لتسخن غيرها، ولكن يلزمها أن تسخن غيرها؛ والقوة الشهوانية تشتهي لذة الجماع ليندفع الفضل ويتم لها اللذة، لا ليكون عنها ولد، ولكن يلزمها ولد؛ والصحة هي صحة بجوهرها وذاتها، لا لأن تنفع المريض، لكن يلزمها نفع المريض؛ كذلك في العلل المتقدمة، إلا إن هناك إحاطة بما يكون، وعلما بأن وجه النظام والخير فيها كيف يكون ، وإنه على ما يكون وليس في تلك. فإذا كان الأمر على هذا، فالأجسام السماوية إنما اشتركت في الحركة المستديرة شوقا إلى معشوق مشترك. وإنما اختلفت، لأن مبادئها المعشوقة المتشوق إليها قد تختلف بعد ذلك الأول. وليس إذا أشكل علينا إنه كيف وجب عن كل تشوق حركة بهذه الحال، فيجب أن يؤثر ذلك فيما علمنا من إن الحركات مختلفة باختلاف المتشوقات. ولكن بقي علينا شيء، وهو إنه يمكن أن تتوهم المتشوقات المختلفة أجساما لا عقولا مفارقة، حتى يكون مثل الجسم الذي هو أخس متشبها بالجسم الذي هو أقدم وأشرف كما ظنه القوم من أحداث المتفلسفة
Page 211