206

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

وطالب الغلبة هو الغضب، وطالب الخير المظنون هو الظن، وطالب الخير الحقيقي المحض هو العقل؛ ويسمى هذا الطلب اختيارا". والشهوة والغضب غير ملائم لجوهر الجسم الذي لا يتغير ولا ينفعل؛ فإنه لا يستحيل إلى حال غير ملائمة، فيرجع إلى حال ملائمة، فيلتذ أو ينتقم من مخيل له فيغضب. وعلى أن كل حركة إلى لذيذ أو غلبة فهي متناهية. وأيضا" فإن أكثر المظنون لا يبقى مظنونا" سرمديا". فوجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا" وإرادة لخير حقيقي، فلا يخلو ذلك الخير: إما أن يكون مما ينال بالحركة فيتوصل إليه، أو يكون خيرا" ليس جوهره مما ينال بوجه، بل هو مباين؛ ولا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرك فينال بالحركة، وإلا لانقطعت الحركة، ولا يجوز أن يكون يتحرك ليفعل فعلا يكتسب بذلك الفعل كمالا، كما من شأننا أن نجود لنمدح، ونحسن الأفعال ليحدث لنا ملكة فاضلة، أو نصير خيرين، وذلك ن المفعول يكتسب لإكماله من فاعله، ومحال أن يعود فيكمل جوهر فاعله، فإن كمال المعلول أخس من كمال العلة الفاعلة، والأخس لا يكسب الأشرف والأكمل كمالا، بل عسى أن يهىء الأخس للافضل آلته ومادته حتى يوجد هو في بعض الأشياء عن سبب آخر. وأما نحن فإن المدح الذي نطلبه ونرغب فيه هو كمال غير حقيقي بل مظنون، والملكة الفاضلة التي نحصلها بالفعل ليس سببها الفعل، بل الفعل يمنع ضدها و يهيء لها. وتحدث هذه الملكة من الجوهر المكمل لأنفس الناس - وهو العقل الفعال - أو جوهر آخر يشبهه؛ وعلى هذا فإن الحرارة المعتدلة سبب لوجود القوى النفسانية، ولكن على أنها مهيئة للمادة لا موجدة، وكلامنا في الموجد، ثم بالجملة إذا كان الفعل مهيئا" ليوجد كمالا انتهت الحركة عند حصوله. فبقي أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا" قائما" بذاته ليس من شأنه أن ينال، وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار الإمكان؛ والتشبه به هو تعقل ذاته في كمالها، فيصير مثله، في أن يحصل له الكمال الممكن له في ذاته كما حصل لمعشوقه، فيوجب البقاء الأبدي على أكمل ما يكون لجوهر الشيء في أحواله ولوازمه كمالا لذلك، فما كان يمكن أن يحصل كماله الأقصى له في أول الأمر تم تشبهه به بالثبات، وما كان لا يمكن أن يحصل كماله الأقصى له في أول الأمر تم تشبهه به بالحركة. وتحقيق هذا هو أن الجوهر السماوي قد بان أن محركه يحرك عن قوة غير متناهية. والقوة التي لنفسه الجسمانية متناهية، لكنهما - بما يعقل الأول فيسنح عليها من نوره وقوته دائما - تصير كأن له قوة غير متناهية؛ فلا يكون له قوة غير متناهية، بل للمعقول الذي يسنح عليه من نوره وقوته، وهو - أعني

Page 205