205

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

ثم كيف يمكن أن نفرض فيها إرادة وتصورا، ثم إرادة وتصورا يختلفان في أمر متفق، ولا استناد فيه إلى مخصص شخص يقاس به؟ ومع هذا كله فإن العقل لا يمكنه أن يفرض هذا الانتقال إلا مشاركا للتخيل والحس ولا يمكننا إذا رجعنا إلى العقل الصريح أن نعقل جملة الحركة وأجزاء الانتقال العقلي فيما نعقله دائرة معا، فإذن على الأحوال كلها لا غنى عن قوة نفسانية تكون هي المبدأ القريب للحركة، وإن كنا لا نمنع أن يكون هناك أيضا قوة عقلية تنتقل هذا الانتقال العقلي بعد استناده إلى شبه تخيل، وأما القوة العقلية مجردة عن جميع أصناف التغير فتكون حاضرة المعقول دائما، إن كان معقوله كليا عن كلي، أو كليا عن جزئي، على ما أوضحناه. فإذا كان الأمر على هذا، فالفلك يتحرك بالنفس، والنفس مبدأ حركته القريبة، وتلك النفس متجددة التصور والإرادة، وهي متوهمة: أي لها إدراك للمتغيرات كالجزئيات وإرادة لأمور جزئية بأعينها، وهي كمال جسم الفلك وصورته. ولو كانت لا هكذا، بل قائمة بنفسها من كل وجه، لكانت عقلا محضا لا يتغير ولا ينتقل ولا يخالطه ما بالقوة. والمحرك القريب للفلك وإن لم يكن عقلا، فيجب أن يكون قبله عقل، هو السبب المتقدم لحركة الفلك؛ فقد علمت أن هذه الحركة محتاجة إلى قوة غير متناهية، مجردة عن المادة لا تتحرك بالذات ولا بالعرض. وأما النفس المحركة فإنها - كما تبين لك - جسمانية مستحيلة ومتغيرة وليست مجردة عن المادة، بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس الحيوانية التي لنا إلينا، إلا أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا" بالمادة؛ وبالجملة تكون أوهامها أو ما يشبه الأوهام صادقة وتخيلاتها أو ما يشبه التخيلات حقيقة، كالعقل العملي فينا. وبالجملة إدراكاتها بالجسم ولكن المحرك الأول لها قوة غير مادية أصلا بوجه من الوجوه. وإذ ليس يجوز أن يتحرك بوجه من الوجه في أن يحرك، وإلا لاستحالت ولكانت مادية - كما قد تبين هذا - فيجب أن يحرك كما يحرك محرك بتوسط المحرك الآخر، وذلك الآخر محاول للحركة مريد لها متغير بسببها، وهذا هو النحو الذي يحرك عليه محرك المحرك. والذي يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد واشتياق فهو الغاية، والغرض الذي إليه ينحو المحرك، وهو المعشوق، والمعشوق بما هو معشوق هو الخير عند العاشق؛ بل نقول: إن كل متحرك حركة غير قسرية فهي هي إلى أمر ما، ولتشوق أمر ما، حتى الطبيعة أيضا؛ فإن شوق الطبيعة أمر طبيعي، وهو الكمال الذاتي للجسم: إما في صورته، وإما في أينه ووضعه؛ وشوق الإرادة أمر إرادي، إما إرادة لمطلوب حسي كاللذة، أو وهمي خيالي كالغلبة، أو ظني وهو الخير المظنون. فطالب اللذة هو الشهوة،

Page 204