203

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

إلا وتقصده، فليست إذن الحركة المستديرة طبيعية. إلا إنها قد تكون بالطبع - أي ليس وجوده في جسمها مخالفا لمقتضى طبيعة أخرى بجسمها - فإن الشيء المحرك لها وإن لم يكن قوة طبيعية كان شيئا" طبيعيا" لذلك الجسم غير غريب عنه؛ فكأنه طبيعته. وأيضا فإن كل قوة فإنما تحرك متوسط الميل، والميل هو المعنى الذي يحس في الجسم المتحرك، وإن سكن قسرا أحس ذلك الميل فيه يقاوم المسكن مع سكونه طلبا للحركة، فهو غير الحركة لا محالة، وغير القوة المحركة؛ لأن القوة المحركة تكون موجودة عند إتمامها الحركة ولا يكون الميل موجودا؛ فهكذا أيضا الحركة الأولى؛ فإن محركها لا يزال يحدث في جسمها ميلا بعد ميل، وذلك الميل لا يمتنع أن يسمى طبيعة، لأنه ليس بنفس، ولا من خارج، ولا له إرادة أو اختيار، ولا يمكنه أن لا يحرك، أو يحرك إلى غير جهة محدودة، ولا هو مع ذلك مضاد لمقتضى طبيعة ذلك الجسم الغريب، فإن سميت هذا المعنى طبيعة كان لك أن تقول: إن الفلك يتحرك بالطبيعة، إلا أن طبيعته فيض عن نفس يتجدد بحسب تصور النفس؛ فقد بان أن الفلك ليس مبدأ حركة طبيعية، وكان قد بان أنه ليس قسرا، فهي عن إرادة لا محالة. ونقول: إنه لا يجوز أن يكون مبدأ حركته القريب قوة عقلية صرفة لا يتغير ولا يتخيل الجزئيات ألبتة. وكأنا قد أشرنا إلى جمل مما تعين في معرفة هذا المعنى في الفصول المتقدمة، وأوضحنا أن الحركة معنى متجدد النسب، وكل شطر منه مخصص بنسب فإنه لا ثبات له، ولا يجوز أن يكون عن معنى ثابت ألبتة وحده، فإن كان عن معنى ثابت فيجب أن يلحقه ضرب من تبدل الأحوال؛ أما إن كانت الحركة عن طبيعة فيجب أن تكون كل حركة تتجدد فيه فلتجدد قرب وبعد من النهاية، ولولا ذلك التجدد لم يكن تجدد حركة؛ فإن الثابت من جهة ما هو ثابت لا يكون عنه إلا ثابت. وأما إن كانت عن إرادة فيجب أن تكون عن إرادة متجددة جزئية؛ فإن الإرادة الكلية نسبتها إلى كل شطر من الحركة نسبة واحدة؛ فلا يجب أن تتعين منها هذه الحركة دون هذه، فإنها إن كانت لذاتها علة لهذه الحركة لم يجز أن تبطل هذه الحركة، وإن كانت علة لهذه الحركة بسبب حركة قبلها أو بعدها معدومة كان المعدوم موجبا لموجود، والمعدوم لا يكون موجبا لموجود، وإن كان قد تكون الأعدام علة للأعدام. وأما أن يوجب المعدوم شيئا فهذا لا يمكن.

Page 202