Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
ويكون ذلك أمرا لا يقاس إليه شيء. وليس عندنا لهذه المعاني أسام غير هذه الأسامي، فمن استبشعها استعمل غيرها. ويجب أن يعلم أن أدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس، لأنه - أعني العقل - يعقل ويدرك الأمر الباقي الكلي، ويتحد به ويصير هو على وجه ما، ويدركه بكنهه لا بظاهره، وليس كذلك الحس للمحسوس؛ فاللذة التي تجب لنا: بأن نعقل ملائما"، هي فوق اللذة التي تكون لنا: بأن نحس ملائما" ولا نسبة بينهما. لكنه قد يعرض أن تكون القوة المدركة لا تستلذ بما يجب أن تستلذ به لعوارض، كما أن المريض لا يستلذ الحلو، ويكرهه لعارض، فكذلك يجب أن يعلم من حالنا ما دمنا في البدن. فإذا حصل لقوتنا العقلية كمالها بالفعل لا تجد من اللذة ما يجب للشيء في نفسه؛ وذلك لعائق البدن. ولو انفردنا عن البدن، كنا بمطالعتنا ذاتنا، وقد صارت عالما عقليا مطابقا للموجودات الحقيقية، والجمالات الحقيقية، واللذات الحقيقية، متصلة بها اتصال معقول بمعقول، نجد من اللذة والبهاء ما لا نهاية له. وسنوضح هذه المعاني كلها بعد. واعلم أن لذة كل قوة حصول كمالها لها؛ فللحس المحسوسات الملائمة، وللغضب الانتقام، وللرجاء الظفر، ولكل شيء ما يخصه، وللنفس الناطقة مصيرها عالما" عقليا بالفعل. فالواجب الوجود معقول، عقل أو لم يعقل، ومعشوق، عشق أو لم يعشق.
Page 195