Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
لواجب الوجود أنه إن وموجود ثم الصفات الأخرى بعضها يكون المعنى فيها هذا الوجود مع إضافة، وبعضها هذا الوجود مع سلب، وليس ولا واحد منها موجبا" في ذاته كثرة ألبتة ولا مغايرة. فاللواتي تخالط السلب أنه لو قال قائل للأول، ولم يتحاش، إنه جوهر، لم يعن إلا هذا الوجود، وهو مسلوب عنه الكون في الموضوع. وإذا قال له: واحد، لم يعن إلا هذا الوجود نفسه مسلوبا" عنه القسمة بالكم أو القول، أو مسلوبا" عنه الشريك. وإذا قال: عقل وعاقل ومعقول، لم يعن بالحقيقة إلا أن هذا المجرد مسلوب عنه جواز مخالطة المادة وعلائقها مع اعتبار إضافة ما. وإذا قال له: أول، لم يعن إلا إضافة هذا الوجود إلى الكل. وإذا قال له: قادر، لم يعن به إلا أنه واجب الوجود مضافا" إلى أن وجود غيره إنما يصح عنه على النحو الذي ذكر. وإذا قال له: حي، لم يعن إلا هذا الوجود العقلي مأخوذا"مع الإضافة إلى الكل المعقول أيضا" بالقصد الثاني؛ إذ الحي هو المدرك الفعال. وإذا قال له: مريد، لم يعن إلا كون واجب الوجود مع عقليته - أي سلب المادة عنه - مبدأ لنظام الخير كله وهو يعقل ذلك، فيكون هذا مؤلفا" من إضافة وسلب. وإذا قال له: جواد، عناه من حيث هذه الإضافة مع السلب، بزيادة سلب آخر، وهو أنه لا ينحو غرضا" لذاته. وإذا قال له: خير، لم يعن إلا كون هذا الوجود مبرأ عن مخالطة ما بالقوة والنقص وهذا سلب، أو كونه مبدأ لكل كمال ونظام وهذا إضافة. فإذا عقلت صفات الأول الحق على هذه الجهة، لم يوجد فيها شيء يوجب لذاته أجزاء أو كثرة بوجه من الوجوه. ولا يمكن أن يكون جمال أو بهاء فوق أن تكون الماهية عقلية محضة، خيرية محضة، بريئة عن كل واحد من أنحاء النقص، واحد من جهة، فالواجب الوجود له الجمال والبهاء المحض، وهو مبدأ جمال كل شيء وبهاء كل شيء. وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له، فكيف جمال ما يكون على ما يجب في الوجود الواجب؟ وكل جمال وملاءمة وخير مدرك فهو محبوب معشوق، ومبدأ ذلك كله إدراكه. أما الحسي، وأما الخيالي وأما الوهمي وأما الظني، وأما العقلي، وكلما كان الإدراك أشد اكتناها" وأشد تحقيقا"والمدرك أكمل وأشرف ذاتا"، فإحباب القوة المدركة إياه والتذاذها به أكثر. فالواجب الوجود الذي هو في غاية الكمال والجمال والبهاء الذي يعقل ذاته بتلك الغاية والبهاء والجمال، وبتمام التعقل، وبتعقل العاقل والمعقول على أنهما واحد بالحقيقة، تكون ذاته لذاته أعظم عاشق ومعشوق وأعظم لاذ وملتذ؛ فإن اللذة ليست إلا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم، فالحسية إحساس الملائم، والعقلية تعقل الملائم، وكذلك فالأول أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك، فهو أفضل لاذ وملتذ،
Page 194