Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
وهو في تعريفنا أن الأمور الجزئية كيف تعلم وتدرك علما وإدراكا يتغير معهما العالم، وكيف يعلم ويدرك علما وإدراكا لا يتغير معهما العالم؛ فإنك إذا علمت أمر الكسوفات كما توجد أنت، أو لو كنت موجودا دائما كان لك علم لا بالكسوف المطلق، بل بكل كسوف كائن، ثم كان وجود ذلك الكسوف وعدمه لا يغير منك أمرا؛ فإن علمك في الحالين يكون واحدا، وهو أن كسوفا له وجود بصفات كذا، بعد كسوف كذا، أو بعد وجود الشمس في الحمل كذا، في مدة كذا، ويكون بعد كذا، وبعده كذا، ويكون هذا العقد منك صادقا قبل ذلك الكسوف ومعه وبعده. فأما إن أدخلت الزمان في ذلك، فعلمت في آن مفروض أن هذا الكسوف ليس بموجود، ثم علمت في آن آخر أنه موجود، لم يبق علمك ذلك عند وجوده، بل يحدث علم آخر، ويكون فيك التغير الذي أشرنا إليه، ولم يصح أن تكون في وقت الانجلاء على ما كنت قبلي الانجلاء، هذا وأنت زماني وآني، ولكن الأول الذي لا يدخل في زمان وحكمه، فهو بعيد أن يحكم حكما في هذا الزمان، وذلك الزمان من حيث هو فيه ومن حيث هو حكم منه جديدا ومعرفة جديدة. واعلم أنك إنما كنت تتوصل إلى إدراك الكسوفات الجزئية؛ لإحاطتك بجميع أسبابها، وإحاطتك بكل ما في السماء؛ فإذا وقعت الإحاطة بجميع أسبابها ووجودها، انتقل منها إلى جميع المسببات، ونحن سنبين هذا من ذي قبل بزيادة كشف، فتعلم كيف يعلم الغيب وتعلم من هناك إن الأول من ذاته كيف يعلم كل شيء، وأن ذلك لأنه مبدأ كل شيء، ويعلم الأشياء من حالها؛ إذ هو مبدأ شيء أو أشياء حالها وحركاتها كذا، وما ينتج عنها كذا، إلى التفصيل بعده، ثم على الترتيب الذي يلزم ذلك التفصيل لزوم التعدية والتأدية، فتكون هذه الأشياء مفاتيح الغيب التي لا يعلمها أحد إلا هو، فالله أعلم بالغيب وهو عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم.
الفصل السابع (ز)
Page 190