Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
فصل في نسبة المعقولات إليه وفي إيضاح أن صفاته الإيجابية والسلبية لا توجب في ذاته كثرة، وأن له البهاء الأعظم والجلال الأرفع والمجد الغير المتناهي، وفي تفصيل حال اللذة العقلية.
ثم يجب أن يعلم أنه إذا قيل عقل للأول قيل على المعنى البسيط الذي عرفته في كتاب النفس، وأنه ليس فيه اختلاف صور مترتبة متخالفة كما يكون في النفس على المعنى الذي مضى في كتاب النفس؛ فهو لذلك يعقل الأشياء دفعة واحدة من غير أن يتكثر بها في جوهره، أو تتصور في حقيقة ذاته بصورها، بل تفيض عنه صورها معقولة، وهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور الفائضة عن عقليته، ولأنه يعقل ذاته، وأنه مبدأ كل شيء، فيعقل من ذاته كل شيء. وأعلم أن المعنى المعقول قد يؤخذ من الشيء الموجود، كما عرض أن اخذنا نحن عن الفلك بالرصد والحس صورته المعقولة، وقد تكون الصورة المعقولة غير مأخوذة عن الموجود، بل بالعكس؛ كما أنا نعقل صورة بنائية نخترعها، ثم تكون تلك الصورة المعقولة محركة لأعضائنا إلى أن نوجدها، فلا تكون وجدت فعقلناها، ولكن عقلناها فوجدت. ونسبة الكل إلى العقل الأول الواجب الوجود هو هذا؛ فإنه يعقل ذاته وما توجبه ذاته، ويعلم من ذاته كيفية كون الخير في الكل، فتتبع صورته المعقولة صورة الموجودات على النظام المعقول عنده، لا على أنها تابعة اتباع الضوء المضيء والإسخان للحار، بل هو عالم بكيفية نظام الخير في الوجود، وأنه عنه وعالم بأن هذه العالمية يفيض عنها الوجود على الترتيب الذي يعقله خيرا" ونظاما". وعاشق ذاته التي هي مبدأ كل نظام، وخير من حيث هي كذلك، فيصير نظام الخير معشوقا" له بالعرض، لكنه لا يتحرك إلى ذلك عن شوق فإنه لا ينفعل منه ألبتة، ولا يشتاق شيئا ولا يطلبه. فهذه إرادته الخالية عن نقص يجلبه شوق وانزعاج قصد إلى غرض. ولا يظن أنه لو كانت للمعقولات عنده، صور وكثرة، كانت كثرة الصور التي يعقلها أجزاء لذاته، وكيف وهي تكون بعد ذاته؟ لأن عقله لذاته ذاته، ومنها يعقل كل ما بعده؛ فعقله لذاته علة عقله ما بعد ذاته، فعقله ما بعد ذاته معلول عقله لذاته. على أن المعقولات والصور التي له بعد ذاته إنما هي معقولة على نحو المعقولات العقلية لا النفسانية، وإنما له إليها إضافة المبدأ الذي يكون عنه لا فيه، بل إضافات على الترتيب بعضها قبل بعض، وإن كانت معا لا تتقدم ولا تتأخر في الزمان، فلا يكون هناك انتقال
Page 191