190

Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الالاهيات من كتاب الشفاء

Regions
Iran

لطف قريحة. وأما كيفية ذلك، فلأنه إذا عقل ذاته وعقل أنه مبدأ كل موجود، عقل أوائل الموجودات عنه وما يتولد عنها، ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار من جهة ما واجبا يسببه، وقد بينا هذا، فتكون هذه الأسباب يتأدى بمصادماتها إلى أن توجد عنها الأمور الجزئية. والأول يعلم الأسباب ومطابقتها، فيعلم ضرورة ما يتأدى إليها، وما بينها من الأزمنة وما لها من العودات؛ لأنه ليس يمكن أن يعلم تلك ولا يعلم هذا، فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي كلية، أعني من حيث لها صفات. وإن تخصصت بها شخصا فبالإضافة إلى زمان متشخص أو حال متشخصة لو أخذت تلك الحال بصفاتها كانت أيضا بمنزلتها لكنها تستند إلى مباديء كل واحد منها نوعه في شخصه، فتستند إلى أمور شخصية. وقد قلنا: إن مثل هذا الاستناد قد يجعل للشخصيات رسما ووصفا مقصورا عليها. فإن كان ذلك الشخص مما هو عند العقل شخصي أيضا، كان للعقل إلى ذلك المرسوم سبيل، وذلك هو الشخص الذي هو واحد في نوعه لا نظير له، ككرة الشمس مثلا، أو كالمشتري، وأما إذا كان النوع منتشرا في الأشخاص لم يكن للعقل إلى رسم ذلك الشيء سبيل إلا أن يشار إليه ابتداء على ما عرفته. ونعود فنقول: كما أنك تعلم حركات السماويات كلها، فأنت تعلم كل كسوف وكل اتصال وكل انفصال جزئي يكون بعينه ولكن على نحو كلي؛ لأنك تقول في كسوف ما إنه كسوف يكون بعد زمان حركة يكون لكذا من كذا شماليا نصفيا ينفصل القمر منه إلى مقابلة كذا، ويكون بينه وبين كسوف مثله سابق له أو متأخر عنه مدة كذا، وكذلك بين حال الكسوفين الآخرين حتى لا تقدر عارضا من عوارض تلك الكسوفات إلا علمته، ولكنك علمته كليا، لأن هذا المعنى قد يجوز أن يحمل على كسوفات كثيرة كل واحد منها يكون حاله تلك الحال، لكنك تعلم لحجة ما أن ذلك الكسوف لا يكون إلا واحدا بعينه، وهذا لا يدفع الكلية إن تذكرت ما قلناه من قبل. ولكنك مع هذا كله، ربما لم يجز أن تحكم في هذا الآن بوجود هذا الكسوف أو لا وجوده، إلا أن تعرف جزئيات الحركات بالمشاهدة الحسية، وتعلم ما بين هذا المشاهد وبين ذلك الكسوف من المدة، وليس هذا نفس معرفتك بأن في الحركات حركة جزئية صفتها صفة ما شاهدت، وبينها وبين الكسوف الثاني الجزئي كذا، فإن ذلك قد يجوز أن تعلمه على هذا النوع من العلم ولا تعلمه وقت ما يشك فيه أنها هل هي موجودة، بل يجب أن يكون قد حصل لك بالمشاهدة شيء مشار إليه حتى تعلم حال ذلك الكسوف. فإن منع مانع أن يسمى هذا معرفة للجزء من جهة كلية، فلا مناقشة معه؛ فإن غرضنا الآن غير ذلك،

Page 189