Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
يقينا أن لنا قوة نعقل بها الأشياء . فإما أن تكون القوة التي نعقل بها هذه القوة هي هذه القوة نفسها، فتكون هي نفسها تعقل ذاتها، أو تعقل ذلك قوة أخرى، فتكون لنا قوتان: قوة نعقل الأشياء بها، وقوة نعقل بها هذه القوة، ثم يتسلسل الكلام إلى غير النهاية فيكون فينا قوى تعقل الأشياء بلا نهاية بالفعل؛ فقد بان أن نفس كون الشيء معقولا لا يوجب أن يكون معقولا لشيء، ذلك الشيء آخر. وبهذا تبين أنه ليس يقتضي العاقل أن يكون عاقل شيء آخر بل كل ما توجد له الماهية المجردة فهو عاقل، وكل ماهية مجردة توجد له أو لغيره فهو معقول، إذ كانت هذه الماهية لذاتها عاقلة، ولذاتها أيضا معقولة لكل ماهية مجردة تفارقها أو لا تفارقها. فقد فهمت أن نفس كونه معقولا وعاقلا، لا يوجب أن يكون اثنين في الذات، ولا اثنين في الاعتبار أيضا؛ فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا اعتبار أن ماهية مجردة لذاته، وأنه ماهية مجردة ذاته لها، وههنا تقديم وتأخير في ترتيب المعاني، والغرض المحصل شيء واحد بلا قسمة، فقد بان أن كونه عاقلا ومعقولا لا يوجب فيه كثرة ألبتة. وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا فذاته إما متقومة بما يعقل، فيكون تقومها بالأشياء؛ وإما عارضة لها أن تعقل، فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة؛ وهذا محال. ويكون لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال، ويكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون لغيره فيه تأثير، والأصول السالفة تبطل هذا وما أشبهه؛ ولأنه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعينها، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها. ومن وجه آخر لا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث هي متغيرة عقلا زمانيا مشخصا بل على نحو آخر نبينه؛ فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل عقلا زمانيا منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة يعقل عقلا زمانيا منها أنها معدومة غير موجودة ،فيكون لكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات، ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا يتشخص لم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة لمادة وعوارض مادة ووقت وتشخص لم تكن معقولة بل محسومة أو متخيلة؛ ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما تدرك من حيث هي محسوسة أو متخيلة بآلة متجزئة، وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، كذلك إثبات كثير من التعقلات، بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وهذا من العجايب التي يحوج تصورها إلى
Page 188