Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf
دروس الشيخ عبد الحي يوسف
Regions
Sudan
ما ادخره الله لنبيه في الآخرة أعظم مما أعطاه في الدنيا
قال الله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] أي: ما أعطاه الله ﷿ في الدنيا من شرح الصدر، ورفع الذكر، وحط الوزر، وظهور أمره، وعلو شأنه، وما ألقاه الله ﷿ له من المحبة في قلوب خلقه، كل هذا لا شيء بجوار ما أعد الله له في الآخرة.
(وللآخرة خير لك من الأولى) قال أهل التفسير: أري رسول الله ﷺ ملك أمته من بعده فسر بذلك، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: (وللآخرة خير لك من الأولى) فأعطاه الله ﷿ ألف ألف قصر من لؤلؤ في الجنة، ترابه المسك مع ما ينبغي له.
وقال ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: (سألت ربي مسألة وددت أني ما سألته إياها، قلت: يا رب لقد اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمت موسى تكليمًا، واصطفيت نوحًا على البشر، وجعلت عيسى يحيي الموتى فما أعطيتني؟ قال الله ﷿ له: يا محمد! ألم أجدك يتيمًا فآويتك، ووجدتك ضالًا فهديتك، ووجدتك عائلًا فأغنيتك، ألم أشرح لك صدرك، وأضع عنك وزرك، وأرفع لك ذكرك، قلت: بلى يا رب! قال: (وللآخرة خير لك من الأولى)، أعطيتك الكوثر ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، وعدد آنيته بعدد نجوم السماء).
قال ابن كثير ﵀: ولذلك كان رسول الله ﷺ أزهد خلق الله في الدنيا، وأعظمهم اطراحًا لها، حتى أنه لما خير صلوات ربي وسلامه عليه بين الخلد في الدنيا وملكها وبين لقاء الله ﷿ اختار ما عند الله.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله ﷺ على حصير، ثم استيقظ وقد أثر الحصير في جنبه، فجعلت أمسح عنه، وأقول: يا رسول الله! هلا آذنتنا لنفرش لك على الحصير شيئًا، فقال ﵊: ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها).
وهذا أيضًا تكرر مع عمر ﵁ لما رأى أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ، فبكى عمر وقال: (يا رسول! كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت أكرم الخلق على الله تنام على مثل هذا؟ فقال له ﷺ معلمًا ومصححًا: يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: رضيت يا رسول الله! قال: فاحمد الله على ذلك).
19 / 23