Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله : "وعندنا الحاكم بالحسن، والقبح هو الله تعالى" لا يقال: هذا مذهب الأشاعرة بعينه؛ لأنا نقول الفرق هو أن الحسن، والقبح عند الأشاعرة، لا يعرفان إلا بعد كتاب، ونبي، وعلى هذا المذهب قد يعرفهما العقل بخلق الله تعالى علما ضروريا فبهما إما بلا كسب كحسن تصديق النبي عليه العقل آلة لمعرفة بعض من ذلك إذ كثير مما يحكم الله بحسنه أو قبحه لم يطلع العقل على شيء منه بل معرفته موقوفة على تبليغ الرسل لكن البعض منه قد أوقف الله العقل عليه على أنه غير مولد للعلم بل أجرى عادته أنه خلق بعضه من غير كسب، وبعضه بعد الكسب أي ترتيب العقل المقدمات المعلومة ترتيبا صحيحا على ما مر أنه ليس لنا قدرة إيجاد الموجودات، وترتيب الموجودات ليس بإيجاد
"والمأمور به في صفة الحسن نوعان حسن لمعنى في نفسه، وحسن لمعنى في غيره" لما ثبت أن الحسن والقبح يعرفان عقلا علم أنهما ليسا بمجرد الأمر والنهي بل إنما يحسن الفعل أو يقبح إما لعينه أو لشيء آخر، ثم ذلك الشيء حسن لعينه أو قبيح لعينه قطعا للتسلسل، وهو إما أن يكون جزء ذلك الفعل أو خارجا
...................................................................... ..........................
الصلاة والسلام، وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب كالحسن، والقبح المستفادين من النظر في الأدلة، وترتيب المقدمات، وقد لا يعرفان إلا بالنبي، والكتاب كأكثر أحكام الشرع.
قوله: "بطريق التوليد" هو أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسط فعل آخر كحركة المفتاح، والمباشرة أن يكون ذلك بدون توسط فعل آخر كحركة اليد، ولا توليد عند أهل السنة لاستناد الأفعال كلها إلى الله تعالى بلا واسطة بمعنى خالقها، وموجدها فحصول العلم عقيب النظر الصحيح عندهم يكون بخلق الله تعالى عادة بمعنى أنه لا يمتنع أن لا يحصل، والعادة هو تكرر الفعل أو وقوعه دائميا أو أكثريا، وعند الحكماء بطريق الوجوب بمعنى أن النظر الصحيح بعد الذهن لفيضان النتيجة عليه فيجب حصولها ضرورة تمام القابل، والفاعل، وعند المعتزلة بطريق التوليد بمعنى أن العقل يولد العلم ويوجبه بواسطة ترتيب المقدمات على ما تقرر عندهم من استناد بعض الحوادث إلى غير الباري تعالى، وقد يقال: إن النظر الصحيح هو الذي يولد النتيجة، وما ذكره المصنف أقرب، وأنسب بتفسيرهم التوليد بإيجاد الفاعل فعلا بتوسط فعل آخر.
قوله: "ثم ذلك الشيء" لفظه ثم أشار أن الشيء الذي لأجله يحسن الفعل أو يقبح يجب أن يكون بالآخرة حسنا لعينه أو قبيحا لعينه إذ لو توقف حسن كل شيء على حسن شيء آخر لزم التسلسل بمعنى وجود أشياء غير متناهية نظرا إلى غير الأشياء، وبمعنى ترتيب أمور غير متناهية نظرا إلى وصف الحسن.
قوله: "ويجب أن يعلم" المركب المشتمل على حسن أو قبح إما أن يكون حسنا بجميع أجزائه أو ببعضها مع قبح البعض الآخر أو بدونه، وإما أن يكون قبيحا بجميع أجزائه أو ببعضها مع حسن البعض الآخر أو بدونه فالمصنف رحمه الله تعالى خص الحسن باعتبار جزئه بالقسم الأول أعني ما يكون حسنا بجميع أجزائه ثم فسره بما يشمل القسم الثالث أيضا أعني ما يكون بعض أجزائه حسنا وبعضها لا حسنا ولا قبيحا فصار الحاصل أن الحسن باعتبار جزئه ما لا يكون شيء من أجزائه قبيحا لعينه ولم يتعرض لجانب القبح، والظاهر أن يكون بعض أجزائه حسنا وبعضها قبيحا يجعل من قسم القبيح تغلبا لجانب القبح والحرمة، ولا يخفى أنه إذا كان الشيء حسنا بجميع أجزائه كان حسنا لعينه، وجعله حسنا باعتبار الجزء إنما هو مجرد اصطلاح.
Page 357