Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
"وأيضا وجوب تصديق النبي عليه السلام موقوف على حرمة الكذب فهي إن ثبتت شرعا يلزم الدور وإن ثبتت عقلا يلزم قبحها عقلا" هذا يدل على القبح العقلي صريحا، وكل منهما يدل على الآخر التزاما؛ لأنه إذا كان الشيء واجبا عقلا يكون تركه قبيحا عقلا، وإن كان الشيء حراما عقلا فتركه يكون واجبا فيكون حسنا عقلا "ثم عند المعتزلة: العقل حاكم بالحسن، والقبح موجب للعلم بهما وعندنا: الحاكم بهما هو الله تعالى، والعقل آلة للعلم بهما فيخلق الله العلم عقيب نظر العقل نظرا صحيحا" لما أثبتنا الحسن، والقبح العقليين، وفي هذا القدر لا خلاف بيننا، وبين المعتزلة أردنا أن نذكر بعد ذلك الخلاف بيننا، وبينهم، وذلك في أمرين: أحدهما أن العقل عندهم حاكم مطلق بالحسن، والقبح على الله تعالى، وعلى العباد أما على الله فلأن الأصلح للعباد واجب على الله بالعقل فيكون تركه حراما على الله والحكم بالوجوب، والحرمة يكون حكما بالحسن، والقبح ضرورة، وأما على العباد فلأن العقل عندهم يوجب الأفعال عليهم، ويبيحها، ويحرمها من غير أن يحكم الله فيها بشيء من ذلك، وعندنا الحاكم بالحسن، والقبح هو الله، وهو متعال عن أن يحكم عليه غيره، وعن أن يجب عليه شيء، وهو خالق أفعال العباد على ما مر جاعل بعضها حسنا، وبعضها قبيحا، وله في كل قضية كلية أو جزئية حكم معين، وقضاء مبين، وإحاطة بظواهرها، وبواطنها، وقد وضع فيها ما وضع من خير أو شر، ومن نفع أو ضر، ومن حسن أو قبح، وثانيهما أن العقل عندهم موجب للعلم بالحسن، والقبيح بطريق التوليد بأن يولد العقل العلم بالنتيجة عقيب النظر الصحيح، وعندنا
...................................................................... ..........................
قوله: "وكذلك" امتثال أوامر النبي عليه السلام إن وجب عقلا فهو المطلوب، وإن وجب شرعا توقف على أمر الشارع، ووجوب امتثال الأمر بالامتثال إن كان بالأمر الأول دار، وإلا تسلسل، والجواب أن الوجوب بمعنى اللزوم العقلي ثابت بالأدلة القطعية، وبمعنى استحقاق الثواب على الفعل، والعقاب على الترك ثابت بنص الشارع على دليله كما مر، وبقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء:59] بعد ما علم وجوب الامتثال بمعنى اللزوم العقلي الذي هو غير المتنازع فيه كما علم لزوم تصديق ما قامت عليه الحجة القطعية من المسألة الهندسية، ثم استحقاق الثواب، والعقاب أمر آخر يثبت بحكم الشارع في الشرعيات، ولا يثبت في الهندسيات.
قوله: "فلأن الأصلح واجب" لا خفاء في أنه لا معنى للوجوب عليه بمعنى الثواب على الفعل، والعقاب على الترك فلا يتصور الحسن، والقبح بالمعنى المتنازع فيه فإن قلت: فما معنى الخلاف في أنه هل يجب على الله تعالى شيء أم لا؟. قلت: معناه أنه هل يكون بعض الأفعال الممكنة في نفسها بحيث يحكم العقل بامتناع صدوره أو لا صدوره عن الله تعالى كرعاية ما هو أصلح لعباده، وكقبول الشفاعة، وإخراج الفاسق عن النار، ونحو ذلك.
Page 356