341

Sharḥ Ṭalʿat al-Shams ʿalā al-Alfiyya

شرح طلعة الشمس على الألفية

ولا يلتفتون في البحث عن الحادثة إلى الشرائع المتقدمة ولو كان شرعه - صلى الله عليه وسلم - شرع من قبله لم يعملوا بقياس ولا اجتهاد حتى يبحثوا عن النصوص المتقدمة، والمعلوم بالنقل التواتري أنهم لم يكونوا يعولون على شيء منها فكان ذلك منهم إجماعا على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ولو لم ينسخ ما لم يقصه الله علينا أو نبيه على سبيل التشريع لنا وقد عرفت أن هذا المعنى مما يتفق عليه الخصمان أنه شرع لنا كما هو شرع لمن قبلنا، فهو مع التحقيق شرع آخر وافق الشرع السابق، وأيضا فلو كان شرع من قبلنا شرع لنا لكنا مأمورين بمطالعة الكتب السابقة وبقراءتها حفظا لما شرع لنا، والمعلوم انا لم نؤمر بذلك بل نهينا عنه بالكتاب والسنة كما مر، فعلمنا من ذلك أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وهذه المسألة متفرعة على مسألة صورتها هل كان نبينا عليه الصلاة والسلام متعبدا بعد البعثة بشريعة من قبله أم لا وإنما جاء بشريعة مبتدأة؟ قولان، الثاني منهما هو الحق لما قدمنا من الأدلة، ولأنه لو تعبد عليه الصلاة والسلام بشرع نبي قبله لأضيف إلى شارعه وكان نبينا كالمؤدي عنه، لأن ما كان متعبدا فيه باتباع من قبله فهو في حكم المؤدي فكما أن شريعته لا تضاف إلى من يؤدي عنه من الصحابة والعلماء وكذلك ما أداه عن غيره لا يضاف إليه فظهر لك أن الحق أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث بشريعة مبتدأة سواء وافق بعضها حكم الشرائع السابقة أو خالف، أما قبل البعثة فقيل إنه متعبد بشرع من قبله من الأنبياء، وقيل إنه لم يتعبد وتوقف آخرون وهو الحق، إذ لا علم لنا إلا بما انتهى إلينا علمه، وكلا الحالين في حقه، ممكن والذي يقتضيه ظاهر سيرته عليه الصلاة والسلام أنه كان قبل البعثة غير متعبد بشرع من قبله؛ لأنه لو كان متعبدا بشيء من الشرائع السابقة لوجب عليه البحث عن أحكام تلك الشريعة وطلبها من أهلها والمعلوم من سيرته أنه كان أميا لا يكتب الكتاب ولا يقرأه زيادة في معجزته بعد النبوة، والمعلوم من حاله أيضا أنه لم يجالس راهبا، ولا خرج إلى حبر من الأحبار، ولا سأل عن شيء من الأحكام التي قبله، ولم يكن الوحي يأتيه قبل البعثة حتى يدله على شيء منها، فعلمنا من مجموع هذه الأحوال أنه لم يكن متعبدا بشيء من أحكام الشرائع قبل البعثة أيضا، أما التوحيد وما تقوم به حجة العقل فقد كلف به جميع العقلاء، وقد وفق عليه الصلاة والسلام قبل البعثة وبعدها، وقد كان قبل البعثة أيضا محفوظا من قاذورات الجاهلية تسديدا من الله تعالى وحسن توفيق له، فنشأ في كنف الله تعالى وحفظه مقرونا بالملائكة عليهم السلام حتى انتهى إلى الوقت الذي أراد الله له فيه ظهور الكرامة العظمى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، والله أعلم، ثم إنه أخذ في بيان حكم مذهب

الصحابي فقال:

Page 63