338

============================================================

المرصد السادس المقصد السادس: في المقدمات قوي يزول معه الشك (كعلم الصانع بإتقان فعله) فإنا لما شاهدنا أن أفعاله تعالى محكمة مثقنة، حكمنا بأنه عالم، حكما حدسيا وكذا لما شاهدنا اختلاف حال القمر في تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه، من الشمس حدسنا منه أن نوره مستفاد من نورها، ولا بد في الحدسيات من تكرار المشاهدة ومقارنة القياس الخفي كما في المجربات، والفرق بينهما أن السبب في المجريات معلوم السببية مجهول الماهية، فلذلك كان القياس المقارن لها قياسا واحدا، وهو أنه لو لم يكن لعلة لم يكن دائما ولا أكثريا، وأن السبب في الحدسيات معلوم السببية، والماهية معا فلذلك كان المقارن لها أقيسة مختلفة بحسب اختلاف العلل في ماهياتها (السادسة المتواترات) وهي (ما يحكم بها بمجرد خبر جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب) كحكمنا بوجود مكة وجالينوس، ومن اعتبر في التواتر عددا معينا، فقد أحال فإن ذلك مما يختلف بحسب الوقائع، والضابط مبلغ ما يقع معه اليقين، فإذا حصل اليقين فقد تم العدد ولا بد في المتواترات من تكرار، وقياس خفي وأن تكون مستندة قوله : (حدس قوي إلخ) فلو لم يكن الحدس بهذه المرتبة لا يكون من القطعيات، ولذا عدها البعض من الظنيات.

قوله: (ولا بد في الحدسيات) أي التي يحكم فيها العقل بمعونة الحس كما في المثالين المذكررين، وأما الحدسيات العقلية فلا مشاهدة فيها فضلا عن تكرارها، ولذا قال في شرح التجريد: الجديد أن الحدس قد يحصل بتكرر المشاهدة، والمقصود من هذا الكلام إبداء الفارق بين المجربات، والحدسيات التى يحكم فيها بمعونة الحس: قوله : (كحكمنا) اي الذين لم يشاهدوها.

قوله: (من تكرار) أي تكرار السماع.

قوله: (وقياس خفي) وهو لو لم يكن حقا لما اخبر به جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب لكن التالي باطل.

قوله: (الخامس الحدميات إلخ) وقد تكون الحدسيات من الظنيات لا من الضروريات القطعية، وإلا لما جوز العقل نقيضها، والعقل يجوز في المثال المشهور أن يكون نور القمر من أمر يدور اختلافه مع اختلاف القرب والبعد.

قوله: (ولا بد في الحدسيات من تكرار المشاهدة) قد يمنع توقف كل حدس على تكرار الشاهدة كما في مشاهدة الصفة المتقنة، ويؤيده ما ذكره قطب الدين الرازي في شرح الشمسية من أنه إما آن يحتاج العقل في الجزم إلى تكرار المشاهدة مرة بعد اخرى، او لا يحتاج فإن احتاج فهي المجربات، وإن لم يحتج فهي الحدسيات، وقد يجاب: بأن وقوع المتقن من غير العالم نادرا اتفاقيا مما لا شبهة في جوازه، وهذا على تقدير تسليمه يدفع المثال المخصوص، ولا يدفع

Page 40