276

============================================================

المرصد الخامس - المقصد السادس: في معرفة الله تعالى استدللنا به على وجوب النظر من قبيل القواطع (وأما المعتزلة فهذه) الطريقة التي هي معتمد الأصحاب في إثبات وجوب النظر، وهي الاستدلال بوجوب المعرفة على وجوبه (طريقتهم) أيضا في إثباته (إلا أنهم يقولون: المعرفة واجبة عقلا ) أي يتمسكون في إثبات وجوبها بالعقل لا بالإجماع والآيات (لأنها دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف) أي من اختلاف الناس في إثبات الصانع وصفاته، وإيجابه علينا معرفته، فإن العاقل إذا اطلع على هذا الاختلاف الواقع فيما بين الناس جوز أن يكون له صانع قد أوجب عليه معرفته، فإن لم يعرفه ذمه وعاقبه فيحصل له خوف (وغيره) أي الخوف الحاصل من غير الاختلاف، كالنعم الظاهرة والباطنة، فإن العاقل إذا شاهدها جوز أن يكون المنعم بها قد طلب الشكر عليها، فإن لم يعرفه ولم يشكره عليها سلبها عنه، وعاقبه فيحصل له من ذلك أيضا خوف (وهو) أي الخوف (ضرر) للعاقل (ودفع الضرر عن النفس) مع القدرة عليه (واجب عقلا) فإن العاقل إذا لم يدفع ضرره مع قدرته عليه ذمه العقلاء بأسرهم، ونسبوه إلى ما يكرهه وهذا معنى الوجوب العقلي ولما كانت المعرفة واجبة عقلا، وكانت لا تتم إلا بالنظر كان النظر أيضا واجبا عقلا، لما عرفت هكذا تمسكوا بهذه الطريقة (و) نحن نقول: (بعد تسليم حكم العقل) بالحسن والقبح في الأفعال وما يتفرع عليهما من الوجوب والحرمة، وغيرهما (نمنع حصول الخوف) المذكور (لعدم الشعور) بما جعلوا الشعور به سبيا له من الاختلاف وغيره (ودعوى ضرورة الشعور) من العاقل (ممنوعة يكون عنده قطعيا، إذ القطعية تنافي وجود المعارض، إلا آن يبنى الكلام على التحقيق دون الإلزام.

قوله: (جوز أن يكون إلخ) وإن حصل له اعتقاد النفي بأول ما سمعه بالتقليد أو بشبهة سمعها لأته بعدما سمع الإثبات، ودليله يزول التقليد لعدم الثبات فيه ويتردد في الشفي والإثبات، إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر إلا بالنظر ولا تظر، وأما ما قيل: إنه بعدما جوزه ونظر فأخطا فجزم بالتفي، يلزم أن يسقط الواجب لاندفاع خوفه فليس بشيع لأن الخوف الحاصل من الاختلاف لا يندفع بجزم التفي بل بالمعرفة لأن تصور الاختلاف مورث للخوف، الا ترى أن من قصد سلوك طريق وحصل له الخوف من اختلاف الناس في وجود قاطع الطريق فيه لا يندفع خوفه بالجزم، بأنه لا قاطع فيه بل باستعداده وتهييه لدفع القاطع.

قوله: (جوز ان يكون له صانع) قيل: عليه يحتمل آن يعتقد أول ما يسمعه من التفي تقليدا أو شبهة ونظر، وأخطا فجزم بالنفي تقليدا أو شبهة بأن يسمع الشبهة أيضا، ولو سلم فبعد ما جوزه ونظر وأخطا فجزم بالنفي يلزم ان يسقط الواجب لاندفاع خوفه.

Page 276