379

فأما قصر الحكم فلا يجوز عندنا بغير دلالة كما قلنا في تخصيص العلة ما دام العبد مكلفا لذلك الحكم الذي دل الدليل على وجوبه عليه، ولا يكون التجويز دلالة لأنا لا نمنع من ثبوت الحكم الممكن إن قامت عليه دلالة فهذا ما احتمله هذا المكان من الكلام في هذه المسألة.

فصل:[الكلام في طرق المعلوم بالدليل]

ذكر شيخنا رحمه الله تعالى فيما يعلم بمجرد دلالة العقل وما يعلم بمجرد دلالة السمع، وما يعلم بمجموعهما.

فقال: اعلم أن المعلوم بالدليل لا يخلو إما أن يعلم بالعقل فقط، أو يعلم بالشرع فقط، وإما بمجموع العقل والشرع.

أما ما يصح أن يعلم بالعقل فقط، فهو: ما كان في العقل دليل عليه وكان العلم بصحة السمع موقوفا على العلم به كالعلم بالله سبحانه وتعالى، وبصفاته من كونه قادرا على جميع أجناس المقدورات، وعالما بجميع المعلومات، وحيا وغنيا، وأنه عدل حكيم، قال رحمه الله تعالى: وقد أشرنا إلى ذلك في باب الإجماع.

واعلم أنه يلحق عندنا بهذه المسائل أنه تعالى لا يشبه الأشياء، وأنه موجود، وقد بينا في باب الإجماع أن ذلك مما لا يصح العلم بالسمع إلا بعد العلم به مما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.

وأما ما يصح أن يعلم بالعقل وبالشرع: فهو ما كان في العقل دليل عليه، ولم يكن العمل بالشرع موقوفا على العلم به، ومثله بالعلم بأن الله تعالى موجود بناء على أصله في ذلك، وقد بينا الكلام فيه فيما تقدم وأنه لا يشبه الأشياء، وأنه مدرك للمدركات.

فأما كونه تعالى مدركا للمدركات فيمكن الإستدلال عليه عند من يرجع بالإدراك إلى معنى غير العلم زائد على العلم، فأما من يرده إلى العلم فلا يمكنه الإستدلال عليه بذلك ابتداء.

Page 404