376

ومثال المسألة: ما قالوه من أن المصلي يجب عليه التيمم عند عدم الماء بالإجماع، فإذا دخل في الصلاة ورأى الماء استصحب الحال الأولى لأنه قد أجمع على وجوب الصلاة عليه بالتيمم وهذا يبطل عندنا؛ لأنا نقول: بأن الإجماع تناول الحال الأولى دون الثانية لأن حال عدم الماء يخالف حال وجوده فلا يجوز الجمع بينهما في الحكم بغير دليل سيما والتكليف يتغير بتغير الحالات لاختلاف المصالح باختلاف الأوقات كما قررنا ذكره في باب الناسخ.

وكان شيخنا رحمه الله تعالى يفصل القول في ذلك، ويقول: إن الحكم المستصحب قد يكون عقليا، وقد يكون شرعيا:

فالعقلي أن يقول القائل في المتيمم المصلي إنه إذا لم ير الماء لم تلزمه الطهارة، ووجب أن يمضي في صلاته، فكذلك إذا رأى الماء وهذا يبطل لما قدمنا من عدم الطريقة الجامعة بين الحالين، إذ لو جاز الجمع بغير دلالة رابطة لأدى إلى فتح باب الجهالات، بأن نقول إن الفقير لا يلزمه إخراج الزكاة قبل وجود المال فكذلك إذا وجده لا يلزمه الزكاة؛ لأن دلالة الخطاب العام بوجوب إخراج الزكاة وطهارة من أراد الصلاة ثابت على سواء.

وكان رحمه الله تعالى يقول: إن هذا يصح من وجه دون وجه:

أما الوجه الذي يصح منه: فهو أن يسقط عنه الوضوء بعد رؤية الماء؛ لأن إيجابه شرعي فلو كان ثابتا لكان عليه دليل شرعي وليس عليه دليل شرعي، فمتى بين المستدل بذلك أنه ليس عليه دليل شرعي صح استدلاله إلا أنه إذا بين بأنه لا دليل عليه من جهة الشرع صح مذهبه بالإستدلال لا باستصحاب الحال.

قال رحمه الله تعالى: فإن عورض على ذلك فقيل: الأصل وجوب الطهارة بالماء في الشرع فلو سقطت عن الرائي للماء في الصلاة وهو متيمم لكان عليه دليل شرعي لم يسلم الخصم أن الطهارة واجبة في كل حال، وإن رأى المتيمم الماء، فإن استدل على وجوب ذلك بعموم الخطاب كان استدلالا بالعموم، ولم يكن استدلالا باستصحاب الحال.

Page 401