373

وأما الإباحة فهي: تعريف الغير جنس الفعل، وأنه لا مدخل لفعله في استحقاق المدح ولا الذم ولا يترجح تركه على فعله على الإطلاق، وهذا الحد على ما ذكرنا عنه رحمه الله تعالى.

فإذا تحديد الإباحة عندنا: تعريف المكلف جنس الفعل وأن فعله لا يترجح على تركه ولا تركه على فعله.

وقولنا المكلف يخرج النائم والساهي والصبي وما ليس بعاقل عنه؛ لأنه لا تكليف على من ذكرنا في تلك الحال فهذا هو القول في هذه المسألة على وجه الإيجاز والله الموفق للصواب.

مسألة:[الكلام في حكم الأشياء قبل ورود الشرع]

اختلف أهل العلم في الأشياء التي يصح الإنتفاع بها ولا ضرر على أحد في تناولها كالشرب من الأنهار الواسعة، والتناول من الثمار التي لا يتعلق بها لأحد ملك كأشجار القفار والجبال قبل ورود الشرع هل هي على الحظر أم على الإباحة؟

فحكى شيخنا رحمه الله تعالى اختلاف الناس في ذلك على ثلاثة أقوال:

منهم من قال: إنها على الحظر قبل ورود الشرع، وهم طائفة من أصحابنا البغدادية، وبعض الإمامية، ونفر من الشافعية.

ومنهم من قال: إنها على الإباحة قبل ورود الشرع، وهو مذهب أكثر الفقهاء وجل المتكلمين، وهو الذي كان شيخنا رحمه الله يذهب إليه، ونحن نختاره.

ومنهم من قال: بالتوقف.

والذي يدل على صحة ما اخترناه: أن المعلوم ضرورة عند كل عاقل أنه إذا بلغ إلى دجلة مثلا أو ما شاكلها من الأنهار وكان له داع إلى الشراب فإنه يستحسن الشرب بعقله ضرورة ولو توقف لانتظار الدليل والحال هذه لذمه العقلاء على ذلك، وهم لا يذمون على استقباح فعل إلا وقد تقرر عندهم حسنه ضرورة، وإنما اعتقدوا ذلك من حيث أنه ينتفع به ولا ضرر فيه عليه ولا على أحد عاجلا ولا آجلا.

فإن قيل: أما الضرر العاجل فقد علم انتفاءه، وأما الضرر الآجل فهو يجوزه بأن يكون الله سبحانه قد حظره.

Page 398