371

قال: ويكون الصحيح في حد المباح أحد الأولين من الحدود الثلاثة التي تقدم ذكرها لولا ما تقرر من إجماع العلماء من الفقهاء وغيرهم على إثبات أفعال مكروهة في الشريعة كالأكل بالشمال والإستنجاء باليمين، وهذا الاعتراض عندنا غير لازم؛ لأن ترك التقاضي للغريم على وجه طلب الترفيه عنه من قبيل المندوب لا من قبيل المباح، فينتقض بأن تركه أولى من فعله؛ لأن الندب إلى ترك التقاضي ظاهر في الشريعة، وقد وردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما روينا عنه بالإسناد أنه قال: ((من أقرض قرضا كان له مثله صدقة، ثم قال: من أقرض قرضا كان له مثلاه في كل يوم صدقة، فسأل صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من أنظر به بعد حلول أجله كان له كل يوم مثلاه صدقة(1))) وإنما يكون مباحا إذا لم يكن في تركه ترفيه على الغريم فتغير الحالات لا يعترض بها على أصول الدلالات.

ألا ترى أن المحظور قد يصير بتغير الحال مباحا بل واجبا كأكل الميتة؛ فإنه محظور في حال وواجب في حال آخر إذا خاف على نفسه التلف ولا يعترض به على حال السلامة.

فكذلك تقاضي الدين المباح، فإذا كان فيه على المدين مشقة أو كلفة، أو تعلق بتركه قربة أيما قربة كان تركه مندوبا ولم يلحق بالمباح في تلك الحال، ولأنه رحمه الله تعالى ذكر إجماع العلماء على إثباته قسما خامسا، وهم لا يجمعون على أمر يكون الواجب خلافه.

Page 396