وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (^١).
وقوله: «إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ» العَلَّات هم الإخوة من الأب أمهاتهم شتى؛ فالنبي ﷺ ضرب مثلًا للأنبياء بأنهم جاؤوا بمشكاة واحدة، وهي توحيد الله.
ويقول ربنا عن أولي العزم من الرسل كما في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى]
فتلك هي دعوة الأنبياء جميعًا وعلى رأسهم أولو العزم منهم. ولما سُئِل النبي ﵊ عن الرسل قال: «ثَلَاث مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ جَمًّا غَفِيرًا» (^٢). فكل هؤلاء الرسل من أولهم إلى خاتمهم نبينا محمد ﷺ ساروا على منهج واحد، وانطلقوا من منطلق واحد، وهو التوحيد الذي هو أعظم القضايا وأعظم المبادئ التي جاؤوا بها من رب العالمين، وهذه الآيات فيها ذكر دعوة الأنبياء على جهة الإجمال.
دعوة نوح ﵍ إلى التوحيد:
وجاء التفصيل أيضًا في كتاب الله -جل وعلا- في ذكر دعوة الأنبياء. فتأملوا معي في سورة الأعراف، فقد ذكر الله -جل وعلا- أوَّل الرسل نبيَّه نوحًا ﵍، فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف] كانت كلمة نوح ﵍ ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فأمرهم بتوحيد الله، وأن يعبدوه وحده لا شريك له. وكذلك في سورة نوح قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
(^١) صحيح البخاري (٣٤٤٣) واللفظ له، ومسلم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(^٢) تقدم تخريجه في المجلس العاشر.