Al-muntakhab fī tafsīr al-Qurʾān al-karīm
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
[22.40-43]
40- الذين ظلمهم الكفار وأرغموهم على ترك وطنهم مكة والهجرة منها وما كان لهم من ذنب عندهم إلا أنهم عرفوا الله فعبدوه - وحده - ولولا أن الله سخر للحق أعوانا ينصرونه ويدفعون عنه طغيان الظالمين لساد الباطل، وتمادى الطغاة فى طغيانهم، وأخمدوا صوت الحق، ولم يتركوا للنصارى كنائس، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود معابد، ولا للمسلمين مساجد يذكر فيها اسم الله ذكرا كثيرا، وقد أخذ الله العهد الأكيد على نفسه أن ينصر كل من نصر دينه، وأن يعز كل من أعز كلمة الحق فى الأرض. ووعد الله لا يتخلف، لأنه قوى على تنفيذ ما يريد عزيز لا يغلبه غالب.
41- هؤلاء المؤمنون الذين وعدنا بنصرهم، هم الذين إن مكنا سلطانهم فى الأرض حافظوا على حسن صلتهم بالله وبالناس، فيؤدون الصلاة على أتم وجوهها، ويعطون زكاة أموالهم لمستحقيها، ويأمرون بكل ما فيه خير، وينهون عن كل ما فيه شر. ولله - وحده - مصير الأمور كلها، فيعز من يشاء، ويذل من يشاء حسب حكمته.
42- وإذا كنت تلاقى - أيها النبى - تكذيبا وإيذاء من قومك فلا تحزن، وتأمل فى تاريخ المرسلين قبلك تجد أنك لست أول رسول كذبه قومه وآذوه، فمن قبل هؤلاء الذين كذبوك كذبت قوم نوح رسولهم نوحا وكذبت قوم عاد رسولهم هودا، وكذبت ثمود رسولهم صالحا.
43- وكذب قوم إبراهيم رسولهم إبراهيم، وقوم لوط رسولهم لوطا.
[22.44-47]
44- وكذب أهل مدين رسولهم شعيبا، وكذب فرعون وقومه رسول الله - موسى -. لقى هؤلاء المرسلون الكثير من الإنكار والتكذيب، وقد أمهلت المكذبين لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويستجيبون لدعوة الحق، ولكنهم افتروا وتمادوا فى تكذيب رسلهم وإيذائهم، وازدادوا إثما على آثامهم فعاقبتهم بأشد أنواع العقاب، فانظر فى تاريخهم تجد كيف كان عقابى لهم شديدا، حيث أبدلتهم بالنعمة نقمة، وبالعافية هلاكا، وبالعمران خرابا.
45- فأهلكنا كثيرا من أهل القرى الذين يعمرونها بسبب ظلمهم وتكذيبهم لرسلهم فأصبحت ساقطة سقوفها على جدرانها، خالية من سكانها، كأن لم تكن موجودة بالأمس، فكم من بئر تعطلت من روادها واختفى ماؤها، وقصر عظيم مشيد مطلى بالجص خلا من سكانه.
46- أيقولون ما يقولون ويستعجلون العذاب ولم يسيروا فى الأرض ليشاهدوا بأعينهم مصرع هؤلاء الظالمين المكذبين؟ فربما تستيقظ قلوبهم من غفلتها، وتعقل ما يجب عليهم نحو دعوة الحق التى تدعوهم إليها، وتسمع آذانهم أخبار مصارع هؤلاء الكفار فيعتبرون بها، ولكن من البعيد أن يعتبروا بما شاهدوا أو سمعوا ما دامت قلوبهم متحجرة، إذ ليس العمى الحقيقى عمى الأبصار، ولكنه فى القلوب والبصائر.
47- ويأخذ الغرور كفار مكة فلا يبالون مع قيام هذه العبر، فيستعجلونك - أيها النبى - بوقوع ما توعدتهم به من العذاب تحديا واستهزاء، وهو لا محالة واقع بهم، ولكن فى موعد قدره الله فى الدنيا أو فى الآخرة، ولن يخلف وعده بحال ولو طالت السنون، فإن يوما واحدا عنده يماثل ألف سنة مما تقدرون وتحسبون.
Unknown page