326

كان عطاء إذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر فوقف على أهل القبور ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه. ثم يبكي ويقول: يا أهل القبور عاينتم ما عملتم فواعملاه. فلا يزال كذلك حتى يصبح.

قال حماد بن زيد: رجعنا من جنازة فدخلنا على عطاء السليمي فلما رآنا كأنه خائف أن يدخله شيء أي لكثرتنا. فقال: اللهم لا تمقتنا أو اللهم لا تمقتني. ثم قال: سمعت جعفر بن زيد يقول: مر رجل بمجلس فأثنوا عليه خيرا. فلما جاوزهم قام وقال: اللهم إن كان هؤلاء لا يعرفونني فأنت تعرفني.

علي بن بكار قال: مكث عطاء السليمي أربعين سنة على فراشه لا يقوم من الخوف ولا يخرج.

أبو جعفر بن الطباع قال: سمعت مخلدا يقول: ما رأيت أحدا كان أفضل من عطاء السليمي، ولقد كانت الفاكهة تمر لا يعلم سعرها ولا يعرفها.

كان عطاء يقول: التمسوا لي هذه الأحاديث في الرخص عسى الله أن يروح عني بعض ما أنا فيه من الغم.

قيل لعطاء السليمي ما تشتهي? قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر على أن أبكي. قال: وكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه.

قال أبو يزيد الهدادي: انصرفت ذات يوم من الجمعة فإذا عطاء السليمي وعمر بن درهم يمشيان، وكان عطاء قد بكى حتى عمش، وكان عمر قد صلى حتى دبر، فقال عمر لعطاء: حتى متى نسهو ونلعب وملك الموت في طلبنا لا يكف? قال: فصاح عطاء صيحة خر مغشيا عليه فأنشج موضحة واجتمع الناس وعقد عمر عند رأسه فلم يزل على حاله حتى المغرب. ثم أفاق فحمل.

انقطع عطاء السليمي قبل موته بثلاثين سنة. قال: وما رأيت عطاء إلا وعيناه تفيضان. قال: وما كنت أشبه عطاء إذا رأيته إلا بالمرأة الثكلى. قال: وكأن عطاء لم يكن من أهل الدنيا.

Page 330