وابن عباس متفق عليهما، وقال ابن عباس (رمل النبي ﷺ في عُمره كلها وفي حجه وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده) رواه أحمد، وإن كان أصل الرمل لإظهار الجلد للمشركين فبقى الحكم بعد زوال علته، وفي البخاري (أن عمر قال بعد استلامه الحجر الأسود: ما لنا والرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه) انتهى، وقوله: رأينا بوزن فاعلنا بالهمز من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء لا نعجز عن مقاومتهم ولا نضعف عن محاربتهم، وجعله ابن مالك من الرياء الذي هو إظهار المرائي خلاف ما هو عليه فقال: معناه أظهرنا لهم القوة ونحن ضعفاء، وقوله وقد أهلكهم الله أي فلا حاجة لنا اليوم إلى ذلك فهمَّ ﵁ بترك الرمل لفقد سببه، ثم قال ﵁ بعد أن رجع عما همّ به: هو شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه: أي لعدم اطلاعنا على حكمته وقصور عقولنا عن إدراك حقيقته، وقد يكون فعله سببًا باعثًا على تذكر نعمة الله تعالى على إعزازه الإسلام وأهله والله أعلم.
قال الموفق في المغني: فإن قيل إنما رمل النبي ﷺ وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى إذ قد نفى الله المشركين فلم قلتم إن الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا: قد رمل النبي ﷺ وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنه سنة ثابتة انتهى.
ولا يسن رمل ولا اضطباع لراكب وحامل معذور ونساء ومحرم من مكة أو من قربها لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع الرمل، وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد، ومن لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع. قال في الشرح الكبير: قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة إلى أن قال وليس على أهل مكة رمل وهذا قول ابن عباس