358

Minhāj al-muttaqīn fī ʿilm al-kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

وقوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وهذا لام الغرض بلا شبهة، وقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع فبين أن غرضه بالإرسال الطاعة والعرض والإرادة واحد بلا خلاف، وقوله: {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}، وقوله: {ليذكروا}، {ولقد يسرنا القرآن للذكر}، {ولعلهم يتقون} وأشباه ذلك مما بين فيه أن غرضه الطاعة.

ومن قوي ما نعتمده قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا} وأشباهها فإنه تعالى حكى عن المشركين نفس مذهب الخصوم ثم أكذبهم بقوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} ثم قال: {حتى ذاقوا بأسنا} والبأس هو العذاب، والله لا يعذبهم على الصدق ثم تحداهم في إقامة البرهان على ما قالوه بقوله: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} وهذا لا يقال إلا للمبطل، ثم بين أنهم يتبعون الظن، وأنهم يخرصون والخرص هو الكذب، وهذا لا يقال للصادق، فإن كانوا كاذبين كما أخبر الله تعالى، فهو المطلوب، وإن كانوا صادقين كان تكذيبهم كذبا.

وما يهذى به الخصوم من أن المشركين صادقون فيما قالوه، لكنهم أوردوه على سبيل الاستهزاء فهو تجاهل، وليس التكذيب بأكثر مما في الآية، ولو صح هذا لما صح في القرآن تكذيب قط، وليس إيراده على طريق الاستهزاء يقتضي وصفهم بالكذب كما لو قال اليهودي محمد نبي.

على أن الله الذي خلق فيهم الاستهزاء على مذهب الخصم، ولو شاء لما أوردوا هذا الاستهزاء فأين موضع التكذيب حينئذ.

وأما استدلالهم على تأويلهم هذا بقوله في آخر الآية: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فهو أعجب من تأويلهم، فإنا إنما نجتهد في أن يكون الحجة البالغة لله، وإنما يكون كذلك إذا كان الكلام على ظاهره، وكما قلناه، وأما إذا كان الله خلق فيهم الشرك وأراده منهم وكره إيمانهم ومنعهم منه وكذبهم وهم صادقون، فأي حجة له ليهم فضلا عن أن تكون بالغة.

Page 364