Minhāj al-muttaqīn fī ʿilm al-kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
قلنا: العلم بالإرادة على الجملة ضروري كسائر الأفعال؛ لأنا نعلم ضرورة تعلق أفعالنا بقصودنا ودواعينا، وذلك فرع على العلم بأن لنا قصود ودواعي على الجملة، بل قد نضطر إلى قصد غيرنا.
دليل كل عاقل يعلم بكمال عقله أن الحكيم لا يريد سب نفسه، وقتل: رسله وعبادة غيره، ولا يكره ما أمر به من طاعته وعبادته والعدل والإحسان.
دليل، لو كان تعالى مريدا للمعاصي لكان الفاعل لها مطيعا؛ لأن من فعل ما أراد المطاع وصفة أهل اللغة بأنه مطيع، وقولهم: بل المطيع من فعل ما أمر به المطاع غير مسلم، وإن سلمناه فلا ينجيهم؛ لأن الأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة.
يوضحه أن العبد متى علم من سيده أنه يكره الفعل ثم أمره به على لسان رسول يعلم صدقه كان له أن يقول: إني علمت أنك تكرهه ويعذره العقلاء بذلك إذا لم يفعله.
دليل: قد ثبت أن الأمر بالقبيح قبيح، والذي أوجب كونه أمرا هو الإرادة، فيجب أن تكون قبيحه؛ لأن تأثيرها في ذلك على طريق الإيجاب، فبهذا يفارق القدرة على القبيح وصار الحال فيه كالحال في المسبب، فإن قبحه يقتضي قبح السبب، فإذا قبح الأمر القبيح قبح ما يؤثر في كونه أمرا بالقبيح.
دليل: قد ثبت أن الله تعالى قد نهى عن القبائح والنهي إنما يكون نهيا بالكراهة، وإلا لم ينفصل عن التهديد كما تقدم في كون الأمر أمرا بالإرادة، وإذا كان كارها لها وجب أن لا يكون مريدا لها.
وأما السمع فنحو قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} إلى ما يؤدي إلى اليسر وهو الطاعة، {ولا يريد بكم العسر}، وعندهم أن كل عسر فقد أراده الله.
/240/ وقوله: {إنما يريد الله أن يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} إلى قوله: {ويريد الذين يبتغون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} ولا خلاف أن الخطاب للجميع وعندهم أنه لا يريد هداية الكفار، بل يكرهها وأن كل ميل فهو الذي أراده.
Page 363