قلنا: إن الطبع الذي جعلناه غير معقول ولامعنى له وهو ما ينسب إليه التأثير فإن من حق ما ينسب إليه التأثير أن يكون أمرا متميزا موجودا فأما الطبع الذي أثبته أهل اللغة فهو وإن كان معقولا فليس بأمر وجودي بل أمرا عتباري ومعناه العادة والسجية فمرادهم بقولهم طبع فلان كذا أي عادته وسجيته وكذلك فمرادهم بقولهم طبع النار الحرارة أي عاتها أنها تكون حارة فإن الأجسام وإن كانت متماثلة فقد أجرى الله العادة بأن يخلق في بعضها الحرارة وفي بعضها البرودة ونحو ذلك وقد تأول كلام أبي القاسم على أن هذا مراده حيث قال بتركيب الحوادث اليومية من طبائع الأجسام وكذلك كلام الجاحظ ومن معه حيث قالوا أن المتولدات حادثة بطبع المحل كما سيأتي.
قوله: (القسمة الأولى بعينها).
يعني في أول الفصل حيث قال لأن ذلك الموجب إن كان محدثا إلى آخره.
قوله: (وأما أصحاب النجوم).
اعلم أن أصحاب النجوم القائلين بتأثيرها فرقة من الفلاسفة وغيرهم كما تقدم والذي ذهب إليه المسلمون أنها جمادات يسخرها الله بأمره ويدبر حركاتها بمشيئته خلقها تعالى حكمه منه لمنافع عبيده ولما فيها من الألطاف لهم فمن منافعها ما ذكره تعالى في القرآن الكريم من كونها زينة للسماء ورجوما للشياطين المسترقين للسمع وعلامات يهتدى بها.
قوله: (فيبطل قولهم أنها غير حية) أي قول من جعلها فاعلة مختارة لن الفاعل المختار لابد أن يكون حيا قادرا فأما قول من جعلها موجبة بالطبع فقد تقدم إبطاله بأنه غير معقول وكفى بالمذهب فسادا ألا يعقل.
واعلم أن كلام المصنف موافق لكلام أبي علي فإنه ذهب إلى أنا نعلم أنها غير حية بالعقل فإنا قد علمنا أن الحياة تحتاج إلى رطوبة وهي غير حاصلة فيها لحرارتها كما لايحصل في النار.
Page 359