اعلم أن هذا الوجه يشمل إبطال قول كل قائل بالطبع على اختلاف كلامهم وظاهر كلام أصحابنا أن الطبائعية فرقة واحدة ويحكون عنهم القول بالطبع جملة، وقال الإمام يحيى: زعموا أن الأجسام قديمة وأنها متحركة لذواتها ثم اتفق في حركاتها أنها تصادمت فحصل منها هذا العالم وقالوا: بأن حصول الألوان والأشكال تابع لامتزاج العناصر الأربعة النار والهوى والأرض والماء، وذكر بعض أصحابنا أن الطبائيعية ليست فرقة واحدة بل هم فرقة كثيرة فكل من أثبت الطبع فهو طبائعي فمنهم من جعل العالم صادرا بطبع العلة القديمة وهم بعض الفلاسفة والباطنية والعالم عندهم قديم و.... حادثا لوجوده من جهة غيره ومنهم من يجعله صادرا بطبع الإلاك وهم المنجمة ومنهم من يجعل الحوادث اليومية كالنبات والمولودات والحياة والموت والآلام حادثة بالطبائع الحاصلة في الأجسام ولاتأثير للقديم فيها أصلا وهم المطرفية والفرق بينهم وبين من تقدم ذكره أنهم يقرون بحدوث العالم وثبوت الصانع المختار بخلاف من ذكر أولا من الطبائعية ولهذا قيل المطرفية أسوأ حالا من الطبائعية الجاحدين للصانع المختار لأنهم اعترفوا بالصانع ثم أضافوا التأثير إلى غيره والطبائعية لما نفوا الصانع لم يكن لهم بد من إضافة ذلك إلى أمر ما ومن الوجوه الفارقة بينهم أن المطرفية يقولون: الأجسام والأعراض حدثت بالفطرة والتركيب وأن الله تعالى هو الذي فطرها وركبها على أن يكون طبعها وعادتها الكون على ما كانت عليه والطبائعية يضيفون المور كلها إلى الطبع وقد قيل للمطرفية أن الطبع إذا كان موجبا عندكم فالموجب لايتراخى عن موجبه فالمخلوقات مترتبة في الوجوب شيئا بعد شيء فكيف تكون حادثة بالطبع ثم أن الطبع إن كان عندكم قديما فهو باطل لنه تابع لوجود الجسام وقد ثبت حدوثها وما تفرع على المحدث فهو أولى بالحدوث وإن كان محدثا، وأما أن يكون محدثه طبعا فيلزم التسلسل أو فاعلا مختارا فيجب أن يقضى بأنه المؤثر في الأجسام والعالم كله فلا تثبت طريق إلى إثبات واسطة.
واعلم أن من المعتزلة من أثبت الطبع وقال به وهم الذين زعموا أن المتولدات حادثة بطبع المحل كما سيأتي، القائلون بأن تركيب الإنسان وغيره من التراكيب الحادثة حاصلة من تركيب الطبائع الأربع مع أن الله قادر على أن يبتدئ الخلقة من غير تركيب وهذا قول الشيخ أبي القاسم البلخي وقد قيل أن الأصل في مقالة المطرفية لأن مطرف بن شهاب قال به أولا ثم لم تزل مقالته ومقالة متابعيه من بعده تزداد حتى أفضت إلى الأمور الشنيعة في أكثر المسائل.
فإن قيل: قولكم الطبع غير معقول يفيد أنه لفظ لامعنى له ومعلوم أنه موجود في كلام العرب فيقولون طبع الماء البرودة وطبع النار الحرارة ونحو ذلك كقولهم طبع فلان كذا وطبع فلان كذا وذلك يقضي بأن له معنى.
Page 358