اعلم أنه قد تقرر أن الحي لايجوز أن يكون جزءا واحدا ولابد من أن يكون مبنيا بنية مخصوصة فإذا قدرنا مثلا أنه بني من جزئين فهو يحتاج في كونه حيا إلى حياتين. قال أصحابنا: ولايجوز وجود حياة واحدة فيه لأنها إن وجدت في كلا الجزئين لزم أن يكون مثلا للتأليف وهو محال وإن وجد في أحد المحلين فباطل لأنها حينئذ لاتوجب إلا لمحلها فيلزم صحة وجود الحياة في محل واحد واختصاصها به فتخرج عن كونها موجبة للجملة ولايمكن أن يقال بل يوجد في أحدهما ويوجب لهما لأنها لاتجوز أن توجب للجزء الذي تحله إلا بعد أن تدخل في جملة الحي وهو لايدخل في جملة الحي إلا بحياة توجد فيه إذ لو دخل في جملة الحي بغير حياة موجودة فيه وصح إيجابها له كونه حيا ولا حياة فيه لكان يلزم أن يوجب ما فينا من أجزاء الحياة لما كان متصلا بنا من شعر وظفر ونحوهما، ويلزم من وجود حياة واحدة في أحد الجزئين ألا يصح الإدراك بالجزء الذي لم يوجد فيه لأن الإدراك لايكون إلا بمحل فيه حياة ولهذا فإنا ما علمنا أنه يدرك به علمنا أن فيه حياة وما لم يقع الإدراك به علمنا ألا حياة فيه وأنه غير حي فقد بان أنه لايجوز أن يوجد في أحد الجزئين حياة من دون أن يوجد في الآخر حياة أخرى وبهذا يعلم حاجة إحدى الحياتين إلى الأخرى مع أنه لايؤدي ذلك إلى توقف كل واحدة منهما على الأخرى توقفا يقتضي الدور والتعذر.
وقد ورد على ما ذكر أنه يلزمكم حاجة كل واحدة من الحياتين إلى الأخرى في وجه واحد وهو الوجود فيلزم حاجة الشيء إلى نفسه ويلزم الدور لأن هذه لاتوجد حتى توجد تلك وتلك لاتوجد حتى توجد هذه.
وأجيب بأن وجه الحاجة مختلف فإحداهما تحتاج إلى الأخرى في وجودها والمحتاج إليها في الوجود تحتاج إلى تلك في أن يدخل محلها في جملة الحي ليوجب له إذ لايوجد موجبة لجزء واحد فإذا اختلف وجه الحاجة لم يلزم الدور.
Page 345