278

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وفي رواية الحميدي عند أبي نعيم وعلي ابن المديني عند الإسماعيلي كلاهما عن سفيان، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ﵁.
قوله: (قالَ: صَلَّيتُ أَنا وَيَتيمٌ في بَيتِنا خَلفَ النَّبي ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ خَلفَنَا) مطابقته للترجمة في قوله: (وأُمّي أمُّ سُليم خلفَنا) لأنها وقفت خلفهم وحدها، فصارت في حكم الصف.
هذا الحديث أخرجه النسائي أيضًا عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، وأخرج البخاري هذا الحديث معلولًا في باب الصلاة على الحصير عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن إسحاق بن عبد الله، وقد ذكرنا مباحثه هناك.
قوله: (صَلَّيتُ أَنا) ذكر لفظة (أنا) ليصح العطف على الضمير المرفوع، وهو مذهب البصريين، والكوفيون لم يشترطوا ذلك.
قوله: (وَيَتيمٌ) كذا للجميع، وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن ابن عيينة، ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور: «صليتُ أنا وسُليم» بسين مهملة ولام مصغَّر، فتصحف على الراوي من لفظ (يتيم) ومشى على ذلك ابن فتحون فقال في ذيله على «الإستيعاب»: سُليم غير منسوب، وساق الحديث، قال شيخنا: قال العيني: واليتيم هو ضُميرة بن أبي ضُميرة بضم الضاد المعجمة، له ولأبيه صحبة.
قوله: (وَأُمّي أُمُّ سُلَيم) وأُمّي عطف على يتيم، وأم سُليم عطف بيان، وكانت مشهورة بهذه الكنية، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة أو رميثة أو الرميصاء أو الغميصاء، زوجة أبي طلحة، وكانت فاضلة دَيّنة.
فيه: أن المرأة لا تصف مع الرجال خشية الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، قال شيخنا: وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيبٌ! وفي توجيهه تعسُّف حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود: «أخِّروهن من حيث أخَّرهن الله» والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهُنَّ فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تكفي عن تكلُّف جوابه، والله المستعان. انتهى
قال العيني: أثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود ﵁، وهذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية ههنا لما قال: وهو عجيب وفي توجيهه تعسف، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم. انتهى، قلت: هذا ردٌّ بالصدر ودقة النظر مع شيخنا؛ فإنه قال: قد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف يصلي فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟! وأوضح منه لو كان بباب المسجد صُفّة مملوكة، فصلى فيها شخص بغير إذن مالكها مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة، صحّت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه. انتهى، وقال ابن رشيد: الأقرب أن البخاري قصد أن يبين أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» يعني أنه مختص بالرجال.
والحديث المذكور أخرجه بن حبان من حديث علي بن سنان، قال شيخنا وفي صحته نظر كما سنذكره في باب إذا ركع دون الصف.
انتهى، واستدل به ابن بطال على صحة صلاة المنفرد خلف الصف خلافًا لأحمد؛ لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى. انتهى، قال شيخنا: لكن لمخالفه أن يقول: إنما ساغ ذلك لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل؛ فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلًا من حاشية الصف فيقوم معه، فافترقا.
واستُدل بقوله: (فَصَفَفتُ أَنا واليَتيمُ وراءَه) على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفّا خلف الإمام خلافًا لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره، وحجَّتهم في ذلك حديث بن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيره عنه أنه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين: بأن ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي. انتهى، قال العيني: القائل بذلك من الكوفيين هو أبو يوسف، فإنه قال: الإمام يقف بينهما؛ لما روى الترمذي في «جامعه» عن ابن مسعود: أنه صلى بعلقمة والأسود فقام بينهما. وأما عند أبي حنيفة ومحمد فإنه يتقدم على الاثنين؛ لما في حديث أنس المذكور، وأُجيب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة:
الأول: أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس.
الثاني: أنه كان لضيق المكان، رواه الطحاوي عن ابن سيرين أنه قال: الذي فعله ابن مسعود كان لضيق المسجد أو لعذر آخر، لا على أنه السنة.
والثالث: ما ذكره البيهقي في كتاب «المعرفة»: «أنه رأى النبي ﷺ وأبو ذر عن يمينه وكل واحد يصلي لنفسه، فقام ابن مسعود خلفهما، فأومأ إليه النبي ﷺ بشماله»، فظن ابن مسعود أن ذلك سنة الموقف، ولم يعلم أنه لا يؤمُّهما، وعلمه أبو ذر ﵁ حتى قال: يصلي كل رجل منّا لنفسه.
وقال الخطابي: اختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده، فقالت طائفة: صلاته فاسدة على ظاهر حديث أبي هريرة الذي رواه الطبراني في «الأوسط»: «أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحدَه فقال له: أعد صلاتك»، هذا قول النخعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن حزم: صلاة المنفرد خلف الصف وحده باطلة، لما في حديث وابصة بن معبد، أخرجه ابن حبان في «صحيحه»: «صلى رجل خلف الصف فقال له ﵇: أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لك» وفي حديث علي بن شيبان: «استقبل صلاتك»، وفي لفظ: «أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف وحده». وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة.
وأجيب عن حديث أبي هريرة: بأن الأمر بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب، وعن حديث وابصة: أنه لم يثبته جماعة، وفيه اضطراب، قاله أبو عمر. وقال الشافعي: في سنده اختلاف، وعن حديث ابن شيبان: أن رجاله غير مشهورين، وعن الشافعي: لو ثبت هذا لقلت به.
قال شيخنا: وباقي مباحثه تقدمت في باب الصلاة على الحصير انتهى
(٧٩) (بابُ مَيمَنَةِ المسجِدِ وَالإِمامِ) أي: هذا باب في بيان أن ميمنة المسجد والإمام هي مكان المأموم إذا كان وحدَه.
٧٢٨ - قوله: (حَدَّثَنا مُوسَى) أي: إسماعيل التبوذكي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قالَ: حَدَّثَنا ثابتُ بنُ زَيدٍ) أي: بالثاء المثلثة في أوله، ويقال: ابن يزيد، قال العيني: والأول

1 / 278