264

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

في قوله في حديث معاذ: «أَفَتَّانٌ أنت؟». قال شيخنا: ويُحتمل أن تكون قصة أُبَيَّ هذه (^١) بعد قصة معاذ بهذا يتوجه الاحتمال الأول لابن دقيق العيد بالخطاب.
قوله: (فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى) أيْ فأيُّ واحد منكم، وكلمة: (مَا) زائدة، وزيادته معَ أي الشرطية كثير، وفائدتها التوكيد وزيادة التعميم. وفي رواية سفيان: (فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ)
قوله: (فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشرط أي فليخفف. يقال: تجوز في صلاته أي: خفف، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة، وجاز فيها السكون. وقال ابن بطال: لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطوِّل عاصيًا، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلا في المعروف. وقال ابن دقيق العيد: التخفيفُ من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قومٍ طويلًا بالنسبة لعادة آخرين. قال: وقولُ الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يزيد على ذلك، لأنَّ رغبة الصحابة في الخير تقتضي أنْ لا يكونَ ذلك تطويلًا. انتهى. قال شيخنا: التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن العاصي أن النبي ﷺ قال له: «أنتَ إمامُ قومِك، واقدِر القوم بأضعَفِهِم» إسنادُه حسن. وأصلُه في مسلم.
قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) في رواية سفيان: (فَإِنَّ خَلْفَهُ) وهو تعليل الأمر المذكور ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصفٌ بصفةٍ من المذكورات لم يَضُرَّ التطويل، وقد قدمتُ ما يَرُدُّ عليه في الباب الذي قبله مِن إمكان مَجيءِ متصفٍ بأحدها. وقال اليعمري (^٢): الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا. قال: وهذا كما شرع القصر في كتاب (^٣) صلاة المسافر وعُلِّلَ بالمشقة وهي مع ذلك تشرع ولو لم يشق عملا بالغالب، لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك. قال العيني: ويؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف، فإنه أَمَر بعدَ الغضب الشديد، وظاهرُه يقتضي الوجوب.
قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ) كذا للأكثر ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة: (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ) وكأن المراد بالضعيف هنا: المريض، وهناك: من يكون الضَّعْفُ في خِلْقَته كالنحيف والمسن، وكل مريضٍ ضعيفٌ من غير عكس، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد.
(٦٢) (بَابٌ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)
أي هذا باب في بيان حكم المصلي إذا صلى، وأشار بهذا إلى أن الأمر بالتخفيف على الإطلاق إنما هو في حق الأئمة لأن خلفه من لا يطيق التطويل، وأما إذا صلى وحده فلا حجر عليه إن شاء طوَّل، وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت، أو يدخلَ في حد الكراهة.
٧٠٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ»).
مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا الإسناد بهؤلاء الرجال قد مرَّ غير مرة. وأبو الزناد بالزاي والنون عبدُ الله ابن ذكوان، والأعرج عبدُ الرحمن بن هرمز.

(^١) في (الأصل): «هريرة»، والصواب: «هذه».
(^٢) في (الأصل): «الزهري»، والصواب: «اليعمري» كما في نفح الشذى لابن سيد الناس وهو اليعمري.
(^٣) كذا في (الأصل): «كتاب»، وليس لهذه الكلمة وجه، وليست في نفح الشذى.
والحديث أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، وأخرجه ابن ماجه عن قتيبة عن مالك.
قوله: (لِلنَّاسِ) أي إذا صلى إمامًا للناس، أو لأجل ثوابِ الناس أو خيرِهم الحاصلِ في الجماعة.
قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَإِنَّ مِنْهُمُ).
قوله: (الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ) المراد بالضعيف هنا: ضعيف الخلقة، والسقيم: من به مرض. زاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: «والصغير والكبير». وزاد الطبراني في حديث عثمان بن أبي العاص: «والحامل والمرضع»، وله من حديث عَدي بن حاتم: «والعابرُ السبيل». وقوله في حديث أبي مسعود الماضي: (وَذَا الحَاجَةِ) هي أشمل الأوصاف المذكورة.
قوله: (فليطول ما شاء) ولمسلم: «فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» أي مخففًِّا أو مطوِّلًا، واستُدِل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض أصحابنا - أي الشافعية -، قال شيخُنا: وفيه نظر، لأنه يعارضهُ عمومُ قوله في حديث أبي قتادة: «إنما التفريطُ أن يؤخِّر الصلاة حتى يدخل وقتُ الأخرى». أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاةُ ترك المفسدة أولى.
واستُدِل بعموم الحديث أيضًا على: جوازِ تطويل الاعتدال والجلوسِ بين السجدتين.
وإنما جُعِل أمرُ المصلي في التطويلِ وغيرِه راجعًا إليه لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الرب ﷻ الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فينبغي للإمام التخفيفُ مع الكمال في الأركان، ألا ترى أنه ﵇ قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، وقال ﵇: «لا تجزِئ صلاة من لا يُقيم ظهرَه في الركوع والسجود».
وممن كان يخفف الصلاة من السلف أنس بن مالك، قال ثابت: صليت معه العتمة فتَجَوَّز ما شاء الله. وكان سعد إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجَوَّزَ، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقيل له؟ فقال: إِنَّا أئمةٌ يُقتدَى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاةً خفيفةً فقيل له: أنتم أصحابُ النبيِّ ﷺ أخفُّ الناس صلاةً؟ فقال: إنَّا نبادر هذا الَوسواس. وقال عمار: احذِفُوا (^١) هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتَجَوَّز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم وأجوزُ. وقال عمرو بن ميمون: لما طُعِنَ عُمر ﵁ تقدم عبدُ الرحمن بن عوف، ﵁، فقرأ بأخصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. وكان إبراهيم يخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود، وقال أبو مِجلَز: كانوا يتمون ويتجوزون ويبادرون الوسوسة. ذكر هذه الآثارَ ابن أبي شيبة في «مصنفه».
(٦٣) (بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ)
أي هذا باب ترجمته: من شكا إمامه إذا طول عليهم الصلاة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) أي بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة، ووقع

(^١) في (الأصل): «أجدوا»، والصواب: «احذفوا».

1 / 264