260

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

حالةَ ضرورة فلا تُجعَل أصلًا يقاس عليه. قال العيني: هذا كان قبل أُحُدٍ، فلا حاجة إلى ذِكر الاحتمال. قال شيخنا: قول المهلب: فكانت حالة ضرورةٍ ضعيفٌ، قال ابن دقيق العيد: لأن القَدْرَ المجزئ من القراءة في الصلاة كان حافِظُوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمرٍ ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى.
الرابع: أنه يُحتمل أن يكون كان معاذٌ يصلي مع النبي ﷺ صلاة النهار، ومع قومه صلاة الليل، لأنهم كانوا أهلَ خدمة لا يحضرون صلاةَ النهار في منازلهم، فأخبر الراوي حالَ معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحد.
الخامس: أنه حديث منسوخ على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَصَلَّى العِشَاءَ) كذا في معظم الروايات، ووقع في روايةٍ لأبي عَوانة والطحاوي من طريق محارب: صلى بأصحابه المغرب. وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي (^١) الزبير. قال شيخنا: فإنْ حُمِلَ على تَعَدُّد القضية كما سيأتي أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا وإلا فما في الصحيح أصح. قال العيني: رجال الطحاوي في روايته رجالُ الصحيح، فمن أين يأتي الأصحِّيَّةُ في رواية العشاء؟
قوله: (فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ (^٢» واستُدِل به على من يَكره أن يقول: البقرةُ بل يقول: سورةُ البقرةِ، لكنْ في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: فقرأ بسورة البقرة. ولمسلم عن ابن عيينة نحوُه. وللمصنف في الأدب (فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ) قال شيخنا: فالظاهر أن ذلك من تصرف الرواة. انتهى. قال العيني: ليس ذلك من تصرف الرواة، بل من تعدُّدِ القضية. انتهى. قلتُ: لا يلزم من تعدُّد القضيةِ أنْ لا تتصرف الرواةُ بل تصرُّف الرواة لازمٌ في مثل هذا. انتهى. قال شيخنا: والمراد أنه ابتدأ في قِراءتها، وبه صرح مسلم ولفظه: افتتحَ سورة البقرة.
قوله: (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) إما أن يُراد به الجنس، والمعرَّفُ تعريفَ جنسٍ كالنكرة في مؤدَّاه، فكأنه قال: رَجُلٌ، أو يراد المعهودُ من رجلٍ معيَّنٍ، ووقع في رواية الإسماعيلي: فقام رجلٌ وانصرف، وفي رواية سليم بن حيان: فتَجَوَّزَ رجل فصلى صلاةً خفيفةً، وفي رواية مسلم عن ابنِ عيينة: فانحَرَفَ رجلٌ فسلَّم ثم صلى وحده.
قال شيخنا: لم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسميةُ هذا الرجل لكن روى أبو داود الطيالسي في «مسنده»، والبزار من طريقِه عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: مَرَّ حَزْمُ بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العَتَمة، فافتتح بسورةٍ طويلةٍ ومع حزمٍ ناضحٌ له... الحديث. قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلا ابنُ جابر. انتهى قولُ البزار. وقد رواه أبو داود في «السنن» من وجهٍ آخر عن طالب فجعله عن ابن جابرٍ عن حزمٍ صاحبِ القصةِ، وابنُ جابرٍ لم يُدرِك حزمًا، ووقع عنده: صلاة المغرب. وهو نحوُ ما تقدم من الاختلاف في رواية محارِب. ورواه ابن لَهيعة عن أبي (^٣) الزبير عن جابر فسماه: حازمًا. وكأنَّه صحَّفَهُ.
ورواه أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسنادٍ صحيح عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: كان معاذٌ يؤُمُّ قومَه فدخل حَرَامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه... الحديث. كذا فيه بِراءٍ بعدَها ألِفٌ، وظن بعضُهم أنه حَرَام بن مِلْحان خالُ أنس، وبذلك جزم الخطيب في «المبهمات» (^٤)، لكنْ لم أَرَهُ منسوبًا في الرواية، ويُحتمل أن يكون تصحَّفَ من: حَزْمٍ، فتَجْمَعُ هذه الروايات، وإلى ذلك يومئ صنيعُ ابن عبد البر، فإنَّه ذكر من الصحابة حَرَام بن أبي كعب وذَكَر له هذه القصة وعَزَا تسميتَه

(^١) في (الأصل): «ابن» والصواب «أبي».
(^٢) في (الأصل): «البقرة» والصواب «بالبقرة».
(^٣) في (الأصل): «ابن» والصواب «أبي».
(^٤) في (الأصل): «المهمات» والصواب «المبهمات».
لرواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بَنَى على أنَّ اسمه تصحَّفَ والأبُ واحدٌ سمَّاهُ جابرٌ ولم يسمه أنس.
وجاء في تسميته قولٌ آخر أخرجه أحمد من رواية معاذ بن رِفاعة: عن رجل من بني سلِمة يقال له: سُلَيْم، وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أن رجلًا من بني سلِمة...، ورواه البزار من وجهٍ آخر عن جابرٍ فسماه سُلَيْمًا، لكن وقع عند ابنِ حزم من هذا الوجهِ أنَّ اسمه: سَلْم (^١) بفتح السين وسكون اللام.
قال شيخنا: وقولُه في رواية مسلم: ثم صَلَّى. لكنْ ذَكَر البيهقيُّ أن محمد بن عباد شيخَ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله: ثم سلَّم. وأَنَّ الحفاظ من أصحاب ابن عيينة وكذا من أصحاب شيخِه عمرو بن دينار وكذا من أصحاب جابرٍ لم يذكروا السلامَ، وكأنه فَهِم أن هذه اللفظة تدلُّ على أن الرجلَ قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدلُّ على أنه قطع القدوةَ فقط ولم يخرج من الصلاة بل استمر فيها منفردًا. قال الرافعي في «شرح المسند» - في الكلام على رواية الشافعي ﵁ عن ابن عيينة في هذا فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده -: هذا يُحتمل من جهة اللفظ أنه قَطَع الصلاة وتنحَّى عن موضع صلاته واستأنفَها لنفسه، لكنه غيرُ محمول عليه، لأن الفرض لا يُقطع بعد الشروع فيه. انتهى. ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوةَ ويُتِمَّ صلاتَه منفردًا. ونازع النوويُّ فيه فقال: لا دَلالة فيه، لأنه ليس فيه أنه فارَقَه وبنى على صلاتِه، بل في الرواية التي فيها أنه سَلَّم دليلٌ على أنه قَطَع الصلاةَ من أصلها ثم استأنفَها، فيدل على جواز قطع الصلاةِ وإبطالها بعذر.
قال شيخنا: واستُدِل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، وذلك لأنَّ ابن جريج روى عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب: هي له تطوعٌ ولهم فريضة. قال العيني: فزعم أبو البركات ابن تيمية: أن الإمام أحمد ضعَّف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد، وقال ابن قدامة في «المغني»: وروى الحديثَ منصورُ بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان بن (^٢) عيينة. وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحَّتْ لكانت ظنًّا من جابر، وبنحوه ذَكَره ابن العربي في «العَارِضَة» (^٣). وقال الطحاوي: إنَّ ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر أَتَمَّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة.
قال شيخنا: ويدل على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرضَ وبالثانية النفلَ ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرُهم من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد: هي له تطوع ولهم فريضة. كما تقدم آنفًا، وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه منه فانتفت تهمة تدليسه، فَقَولُ (^٤) ابن الجوزي: إنه لا يصح. مردودٌ.
وتعليلُ الطحاوي له أن ابن عيينة ساقَه عن عمرو أَتَمَّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة. ليس (^٥) بقادح في صحته، لأن بن جريج أسنُّ وأجَلُّ من ابن عيينة وأقدمُ أخْذًا عن عمرو، ولو (^٦) لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافيةً لرواية من هو أحفظُ منه ولا أكثرُ عددًا فلا معنى للتوقف مِن الحكم بصحتها، وأما رَدُّ الطحاوي

(^١) في (الأصل): «سليم» والصواب «سَلم».
(^٢) في (الأصل): «ابن سفيان» والصواب «سفيان بن».
(^٣) في (الأصل): «المعارضة» والصواب «العارضة» وهي عارضة الأحوذي.
(^٤) في (الأصل): «بقول» والصواب «فقول».
(^٥) في (الأصل): «وليس» والصواب «ليس».
(^٦) كلمة: «لو» ساقطة في (الأصل).

1 / 260