259

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

حديث واحد وفيه: (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) على ما يأتي، وفيه المطابقة. فإن قلتَ: فإذا كان كذلك، فلِمَ قطعَه؟ قال العيني: للتنبيه على فائدتين: الأولى: أنه أشار بالطريق الأولى على علو الإسناد. الثانية: أنه أشار بالطريق الثانية إلى التصريح بسماع عمرو بن دينار من جابر بن عبد الله.
قال شيخنا: واعلم أن هذا الحديث رواه عن جابرٍ عمرُو بن دينار ومحارِبُ بن دثار وأبو (^١) الزبير وعبيد الله بن مقسم، فرواية عمرو للمصنف هنا عن شعبة، وفي الأدب عن سليم بن حَيان، ولمسلم عن ابن عيينة، ثلاثتُهم عنه. ورواية محارِب تأتي بعد بابين، وهي عند النسائي مقرونةً بأبي صالح، ورواية أبي الزبير عند مسلم، ورواية عبيد الله عند ابن خزيمة، وله طرق أخرى غير هذه سأذكر ما يُحتاج إليه منها معزوًا. انتهى.
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي بُندار، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يَتَخَوَّلُهم بالموعظة كي لا ينفروا.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمد بن جعفر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَانَ مُعَاذٌ يَنَالُ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ» ثَلَاثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ: «فَاتِنًا، فَاتِنًا» - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ، قَالَ عَمْرٌو: وَلَا أَحْفَظُهُمَا)
هذه الطريقة التي رواها عن بُندار عن غُندَر عن شعبة... إلى آخره، تتمة الحديث الذي أخرجه قبلَه عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وقد ذكرْنا وجه تقطيعه إياه ووجه مطابقته للترجمة.
قال العيني: ذِكْرُ الطرق المختلفة في هذا الحديث إلى جابر بن عبد الله وغيرِه: روى البخاري أيضًا حديث جابر هذا في باب من شكا إمامه إذا طوَّل مِن حديث محارب بن دثار. وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عنه، وعن محمد بن رمح عن الليث بلفظ: قرأ معاذ في العشاء بالبقرة. وأخرجه مسلم ولفظه: افتتح بسورة البقرة. وفي رواية: بسورة البقرة أو النساء. على الشك. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح. وأخرجه السراج عن محارب بلفظ: فقرأ بالبقرة والنساء. بالواو بِلا شك.
قال شيخنا: وكذا رأيتُه بخط البِرْزالي: «فقال ﵇: أَمَا يكفيكَ أن تقرأ: بالسماء والطارق، والشمسِ وضحاها، ونحوِ هذا؟». وأخرجه عبد الله بن وهْب في مسنده أخبرنا ابن لَهِيعة والليثُ عن أبي الزبير، فذكره وفيه: طَوَّل على أصحابِه فأُخبِر النبُّي ﷺ فقال: «أفتَّانٌ أنتَ؟ خَفِّفْ على الناس واقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوِ ذلك ولا تَشُقَّ على الناس». وعند أحمد في «مسنده» من حديث بُريدة بإسنادٍ قوي: فَقَرَأَ: اقتربت الساعة. قال شيخنا: وهي شاذة إلا إنْ حُمِل على التعدد. انتهى. وفي «صحيح ابن حبان» مِنْ حديث سفيان عن عمرو عن جابر: أخَّرَ النبيُّ ﷺ العشاءَ ذات ليلة فصلى معه معاذ ثم رجع إلينا فتقدم ليؤمَّنا فافتتح بسورة البقرة، فلما رأى ذلك رجلٌ من القوم تنحَّى وصلى وحده...، وفيه: فأَمَرَهُ بسورٍ قصارٍ لا أحفظُها، فقلنا لعمرو: إنَّ أبا الزبير قال لهم: إن النبي ﷺ قال له: «اقرأْ بالسماء والطارق، والسماءِ ذات البروج، والشمسِ

(^١) كلمة: «أبو» ساقطة في (الأصل).
وضحاها، والليلِ إذا يغشى»، قال عمرو: بنحو هذا.
وفي «صحيح ابن خزيمة»: عن بُندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: فقال معاذ: إنَّ هذا - يعني الفتى - يتناوَلُني، ولأُخْبِرَنَّ النبيَّ ﷺ، فلما أخبره قال الفتى: يا رسول الله يُطيلُ المكث عندك ثم يرجع فيطوِّل علينا، فقال: «أَفَتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ كيف تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟» قال: أقرَأُ الفاتحةَ وأسألُ الله الجنةَ وأعوذ به من النار، إني لا أدري ما دَنْدَنَتُكَ وَدَنْدَنَةُ معاذ، فقال النبي ﷺ: «إني ومعاذًا حولها ندندن» الحديث.
وفي «مسند أحمد» من حديث معاذ بن رِفاعة عن رجل من بني سلِمة يقال له سُلَيْم أنه أتى النبيَّ ﷺ فقال له: يا نبيَّ الله إنَّا نظلُّ في أعمالِنا فنأتي حين نُمسِي فنصلي، فيأتي معاذُ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه فيطوِّل علينا، فقال النبي ﷺ: «يا معاذ لا تكن فاتنًا». ورواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أن رجلًا من بني سلِمة...، فذكره مرسلًا. ورواه البزَّارُ من وجهٍ آخر عن جابر وسماه سُلَيْمًا أيضًا، ووقع عند ابن حزم من هذا الوجه: أن اسمه: سَلْم (^١) بفتح السين وسكون اللام، وكأنه تصحيف. والله أعلم. انتهى.
قوله: (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ زاد مسلم من رواية منصور عن عمرو: عِشَاءَ الآخِرَة، فكأنَّ العشاء هي التي كان يواظِبُ فيها على الصلاة مرتين.
قوله: (ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ)، في رواية منصور: فيصلي بهم تلك الصلاة. وللمصنِّف في الأدب (فَيُصَلِّي بِهِم الصَّلَاةَ) أي المذكورة. قال شيخنا: وفي هذا رَدٌّ على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ﷺ غيرُ الصلاة التي كان يصليها بقومه، وفي رواية ابن عيينة: فصلى ليلةً مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمَّهم. وفي رواية الحُميدي عن ابن عيينة، ثم يرجع إلى بني سلِمة فيصليها بهم. ولا مخالفة فيه لأن قومه هم بنو سلِمة، وفي رواية الشافعي رحمة الله عليه: ثُمَّ يرجع فيصليها بقومه في بني سلِمة. ولأحمد عنه: ثم يرجع فيؤمُّنا.
قال العيني: قوله: وفي هذا رد على من زعم... إلى آخره، الجوابُ عنه من وجوه:
الأول: أن الاحتجاج به من بابِ ترك الإنكار من النبي ﷺ، وشرطُ ذلك علمُه بالواقعة، وجاز أنْ لا يكون عَلِمَ بها.
الثاني: أنَّ النية أمر مُبطَن لا يُطَّلَع عليه إلا بإخبار الناوي، ومن الجائز أن يكون معاذٌ كان يجعل صلاته معه ﵇ بِنِيَّةِ النفلِ ليتعلَّمَ سُنَّةَ القراءة منه وأفعالَ الصلاة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم صلاتَهُ الفرضَ. فإن قلتَ: يُستبعد من معاذ أن يترك فضيلةَ الفرضِ خلف النبي ﷺ ويأتيَ به مع قومه، وكيف يُظَنُّ بمعاذ بعد سماعه قولَ النبي ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». ولعل صلاةً واحدةً مع النبي ﷺ خيرٌ له من كلِّ صلاةٍ صلَّاها في عُمُره، ولا سيما في مسجده التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه. قال العيني: ليس تفوتُ الفضيلةُ معه ﵇ في سائر أئمة مساجد المدينة، وفضيلةُ النافلة خلفه مع أداء الفرضِ مع قومه يقوم مقامَ أداء الفريضة خلفه، وامتثالُ أمر النبي ﷺ في إمامة قومه زيادةُ طاعة.
الثالث: قال المهلب: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقتَ عدم القراءة، ووقتَ لا عوضَ للقوم من معاذ، فكانت

(^١) في (الأصل): «سليم» والصواب «سَلم».

1 / 259