Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
لها باحتمالِ أن تكون مدرجةً فجوابُه: أن الأصل عدمُ الإدراج حتى يثبت (^١) التفصيلُ، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا رُوِي من وجهين، والأمرُ هنا كذلك، لكنَّ الشافعي أخرجَها من وجهٍ آخرَ عن جابر متابِعًا لعمرو بن دينار عنه.
وقول الطحاوي: هو ظنٌّ من جابر. مردودٌ، لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمولٌ على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابرٍ أنه يخبِر عن شخص بأمٍر غير مشاهدٍ إلا بأنْ يكون ذلك الشخصُ أَطْلَعَه عليه. وأما احتجاجُ أصحابنا لذلك بقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» فليس بجيد، لأن حاصلَه النهيُ عن التلبُّس بصلاةٍ غيرِ التي أقيمت من غيرِ تعرُّضٍ لنيةِ فرضٍ أو نفلٍ، ولو تعينت نيةُ الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه لأنها ليست حينئذٍ فرضًا له.
قوله: (فَكَانَ مُعَاذٌ يَنَالُ مِنْهُ) أي من الرجل المذكور، ومعنى: ينال منه أي يصيب منه، أي يعيبه ويتعرض به بالإيذاء. وقوله: (كَانَ) فعل ماض، و(مُعَاذٌ) بالرفع اسمُه. وقوله: (يَنَالُ مِنْهُ) جملةٌ خبرٌ لِكانَ، وفي رواية المستملي: (يَتَنَاوَلُ مِنْهُ) من باب التفاعل، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَكَأَنَّ مُعَاذًا) بالهمز والنون المشددة. وقوله: (مُعَاذًا) بالنصب اسمُ كَأَنَّ، وقد فُسِّر ذلك في رواية سليم بن حيان. ولفظه: فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق. وكذا في رواية أبي الزبير وابن عيينة: فقالوا له: أَنافقتَ يا فلان؟ قال: لا والله، لآتين رسولَ الله فَلَأُخبِرَنَّه. فكأَنَّ معاذًا قال ذلك في غَيْبَةِ الرجلِ، وَبَلَّغَهُ إلى الرجل أصحابُه.
قوله: (فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أي فَبَلَغَ ذلك الأمرُ إلى النبيِّ ﷺ، وقد بيَّن ابنُ عيينة ومحاربُ بن دِثار في روايتيهما أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية النَّسائي: فقال معاذ: لئن أصبحتُ لأذكُرَنَّ ذلك لرسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأرسَلَ إليه فقال: «ما حملك على الذي صنعت؟» فقال: يا رسول الله، عملتُ على ناضحٍ لي بالنهار، فجئتُ وقد أقيمت الصلاة فدخلتُ المسجد، فدخلتُ معه في الصلاة فقرأ بسورة كذا وكذا، فانصرفتُ (^٢) فصليتُ في ناحية المسجد. فقال رسول الله ﷺ: «أفتَّانًا يا معاذ؟ أفتَّانًا يا معاذ؟».
وقوله: ٠ ويروى: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) و: (فَتَّانٌ) مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: أنت فتانٌ، والتكرار للتأكيد، وفي رواية ابن عيينة: أفتان أنت؟ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، ومعناه: أنت مُنَفِّرٌ، لأن التطويل سببُ خروجهم من الصلاة، والتَّكَرُّهِ للصلاة في الجماعة، وقال الداودي: يُحتَمل أن يريد قوله: (فَتَّانٌ) أي معذِّبٌ، لأنه عَذَّبَهُم بالتطويل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]. أي عذبوهم.
قوله: (أَوْ قَالَ: فَاتِنًا، فَاتِنًا) هذا شكٌّ من الراوي، ونصبُه على أنه خبرُ يكون مقدَّرًا أي يكون فاتنًا (^٣). وفي رواية أبي (^٤) الزبير: أتريد أن تكون فاتنًا؟ وفي رواية أحمد في حديث معاذ بن رِفاعة المتقدم ذكرُه: «يا معاذ لا تكن فاتنًا». وزاد في حديث أنس: «لا تُطوِّل بهم». وروى البيهقي في «الشُّعَب» بإسناد صحيح عن عمر قال: لا تبغِّضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه.
قوله: (وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ) أوسط المفصل مِن كُوِّرَتْ إلى الضحى، وطِوال المفصل من سورة الحجرات إلى والسماء ذات البروج، وقصار المفصل من
(^١) في (الأصل): «ثبت» والصواب «يثبت».
(^٢) في (الأصل): «فانصرف» والصواب «فانصرفتُ».
(^٣) في (الأصل): «فتانا» والصواب «فاتنا».
(^٤) في (الأصل): «ابن» والصواب «أبي».
الضحى إلى آخر القرآن. وقيل: أولُ الطوال من قَاف، وقال الخطابي: رُوي هذا في حديث مرفوع، وحكى القاضي عياض أنه من الجاثية وهو قريب (^١)، وسمي المفصَّل لكثرة الفصول فيه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. قال شيخنا: قوله: (أَوْسَطِ) يحتمل أن يريد به المتوسطَ، والسورُ التي مَثَّل بها من قِصار المتوسط، ويحتمل أن يريد به المعتدِل أي المناسِب للحالة من المفصَّل.
قوله: (قَالَ عَمْرٌو: وَلَا أَحْفَظُهُمَا) أي: قال عمرو بن دينار: لا أحفظ السورتين المأمورَ بهما، وكأنَّ عَمْرًا قال ذلك في حال حديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو: «اقْرَأْ والشمسِ وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها».
استدل الشافعي ﵁ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناءً على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل. وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاووس وسليمان بن حرب وداود، وقال الحنفية: لا يصلي المفترضُ خلف المتنفل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في روايةِ أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة (^٢): اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا - أي الحنابلة -، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاووس. انتهى.
قال شيخنا فيما تقدم آنفًا: ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني... إلى آخره. انتهى. قال العيني: الجواب عن هذا: أن هذه زيادة قد ذكرنا ما قالوا فيها، أي فيما تقدم أيضًا، قال: ونقول أيضًا: إن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ صلاةَ النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: فهي لهم فريضةٌ وله نافلة. بحالِ معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحد، أو نقول: هو حكاية حالٍ لم نعلم كيفيتها فلا نعملُ بها، ونستدل بما في «صحيح ابن حبان»: «الإمامُ ضامن». يعني: يضمنُها صحةً وفسادًا، والفرضُ ليس مضمونًا في النفل. وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظمُ من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناءُ المفترض على صلاة المتنفل لما شُرِعت صلاةُ الخوف مع كل طائفةٍ بعضُها، وارتكابُ الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف، لأنه كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميعَ الصلاة وتكونُ الثانيةُ له نافلةً وللطائفة الثانية فريضة. انتهى.
قال شيخنا: جوابُه أنه ثبت: أنه ﷺ صلى بهم صلاةَ الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوُه، وأما صلاتُه لهم على أنواعٍ من المخالفة فلِبيان الجواز. انتهى. وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي ﷺ ولا تقريره. فجوابه: أنهم لا يَختلفون في أَّن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيرُه حجةٌ، والواقع كذلك هنا، فإنَّ الذين كان يصلي بهم معاذ كلُّهم صحابة، ومنهم ثلاثون عَقَبِيًّا، وأربعون بَدْرِيًّا، قاله ابن حزم. قال: ولا يُحفَظ عن غيرِهم من الصحابة امتناعُ ذلك، بل قال بعضُهم بالجواز: عمرُ وابنُ عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم. انتهى.
قال الطحاوي أيضًا: لو سلَّمنا جميعَ ذلك لم يكن فيه حُجَّةٌ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت
(^١) طمس في (الأصل) ولعل الكلمة: «قريب».
(^٢) كلمة: «ابن قدامة» ساقطة في (الأصل) وقاله في المغني.
1 / 261