251

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد العزيز ومجاهد ومالك إذا كان زانيًا.
وقال صاحب «التوضيح» أي ابنُ الملقِّن: ولا يُكره إمامتُه عندنا خلافًا للشيخ أبي حامد والعَبدَوي، وقال الشافعي: وأكره أن يُنصَّب من لا يُعرف أبوهُ إمامًا، وتابعَه (^١) البَندَنيجي، وغيرُه صرَّح بعدمها، وقال ابن حزم: الأعمى والخَصِيُّ والعبدُ وولد الزنا وأضدادُهم والقُرَشِيُّ سواء، لا تفاضل بينهم إلا بالقراءة. قال العيني: وقال الحنفية: تكره إمامة العبد وولدِ الزنا لأنه يُستخَفُّ به، فإن تقدَّمَا جازت الصلاة.
قوله: (وَالأَعْرَابِيِّ) بالجر عطفٌ على ولد البَغِيِّ، وهو بفتح الهمزة، نُسِبَ إلى الجمع لأنه صار عَلَمًا لهم، فهو في حكم المفرَد، والأعراب سكان البادية من العرب. وقال صاحب «المنتهى»: خاصةً والجمع أعاريب، وليس الأعراب جمعًا للعرب، كما أن الأنباط جمعٌ للنبط، وذكر بعضُهم أن الأعراب جمع عربٍ مثلَ: غَنَمٍ وأغنامٍ، وإنما سُموا أعرابًا لأنهم عَرَب تجمعت من ههنا وههنا.
قال شيخنا: وإلى صحة إمامته ذهب الجمهور أيضًا، وخالف في ذلك مالكٌ، وعلته عندَه غلبةُ الجهل على سكان البوادي، وقيل لأنهم يُديمون نقصَ السنن وترك حضورِ الجماعة غالبًا. انتهى. وقال العيني: وأجاز أبو حنيفة إمامته مع الكراهة لغَلَبةِ الجهل عليه، وبه قال الثوري وإسحاق وغيرُهما، وصلى ابن مسعود خلف أعرابي. ولم ير بها بأسًا إبراهيمُ والحسن وسالم. وفي الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يتقدم الصفَّ الأولَ أعرابيٌّ ولا عَجَميٌّ ولا غلامٌ لم يحتلم».
قوله: (وَلَا غُلَامٍ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ) بالجر أيضًا عطفٌ على ما قبله، وظاهره مطلَقٌ يتناول المراهِقَ وغيرَه، ولكن يخرج منه مَن كان دون سن التمييز بدليل آخر. ولعل المصنفَ راعَى اللفظ الوارد في النهي عن ذلك وهو فيما رواه عبد الرزاق من حديث بن عباس مرفوعًا: «لا يؤُمُّ الغلامُ حتى يَحتلم». قال شيخنا: وإسناده ضعيف، وقد أخرج (^٢) المصنفُ في غزوة الفتح حديث عمرو بن سلِمة - بكسر اللام -: أنه كان يؤم قومه وهو ابنُ سبع سنين. وقيل: إنما لم يَستدلَّ به هنا لأنَّ أحمد بن حنبل توقف فيه، فقيل: لأنه ليس فيه اطلاعُ النبي ﷺ على ذلك، وقيل: لاحتمال أن يكون أراد أنه كان يؤمُّهم في النافلة دون الفريضة.
وأجيب عن الأول: بأنَّ زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحدٍ من الصحابة التقريرُ على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيدٍ وجابر على جواز العزل: بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل. كما سيأتي في موضعه. وأيضًا: فالوفد الذين قَدَّموا عمرو بن سلمة كانوا جماعةً من الصحابة، وقد نقل ابن حزم أنه لا يُعلم لهم في ذلك مخالفٌ منهم.
وعن الثاني: بأن سِياق رواية المصنف تدل على أنه كان يؤمُّهم في الفرائض لقوله فيه (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ...) الحديثُ. وفي روايةٍ أبي داود قال عمرو: فما شهدت مشهدًا في جِرْمَ إلا كنت إمامَهم، وهذا يعُمُّ الفرائض والنوافل، واحتج ابن حزم على عدم الصحة بأنه ﷺ أمر أن يؤمَّهم أقرؤهم، قال: فعلى هذا إنما يَؤُمُّ

(^١) في (الأصل): «وتاتبعه»، والصواب: «وتابعه».
(^٢) في (الأصل): بياض بمقدار كلمة بعد قوله: «وقد» والاستدراك من فتح الباري.
مَن يتوجه إليه الأمر والصبي ليس بمأمور، لأن القلم رُفِع عنه فلا يؤم. كذا قال. ولا يخفَى فسادُه لأنَّا نقول: المأمورُ من يَتوجهُ إليه الأمرُ من البالغين بأنهم يُقدِّمون من اتَّصَف (^١) بكونه أكثرَ قرآنًا، فبطل ما احتج به.
وإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضًا الحسنُ والشافعي وإسحاق، وكرهها مالكٌ والثوريُّ، وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض. قال العيني: وأمَّا ما نقله ابن المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه أنها مكروهة فلا يصح هذا النقل، وعند الشافعي في الجمعة قولان. انتهى.
قوله: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»). قال العيني: هذا تعليلٌ لجميع ما ذَكَرَ قبْلَه مِنَ: العبدِ وَوَلد البغي والأعرابيِّ والغلام الذي لم يحتلم، يعني الحديثُ لم يفرق بين المذكورين وغيرهم. قال العيني: ولكنَّ الذي يظهرُ مِن هذا أن إمامةَ أحدِ من هؤلاء إنما تجوز إذا كان أقرأ (^٢) القوم، ألا ترى أن الأشعث بن قيس قدَّم غلامًا فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدَّمتُه ولكن قدَّمتُ القرآنَ العظيم، وقوله ﵇: (يَؤُمُّهُمْ (^٣) أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) تعليقٌ، وهو طرف من حديث أبي مسعود، أخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وروى أبو سعيد عنده أيضًا مرفوعًا: «أحقُّهم بالإمامة أقرؤُهم»، وعند أبي داود من حديث ابن عباس: «وليؤمكم قراؤكم (^٤»). قال شيخنا: واستُدِل بقوله: (أَقْرَؤُهُمْ) على أن إمامة الكافر لا تصح لأنه لا قراءة له.
قوله: (وَلَا يُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ) هذه الجملة معطوفة على الترجمة، وهي من كلام البخاري وليست من الحديث المعلق، ووجهُ عدمِ منعه من حضور الجماعة لأنَّ حَقَّ الله مقدَّمٌ على حق المولى في باب العبادة، وقد وَرَد وعيدٌ شديد في ترك حضور الجماعة بغير ضرورة، أشار إليها بقوله: (بِغَيْرِ عِلَّةٍ) أي بغير ضرورة. وقال شيخنا: بغير ضرورةٍ لسيدِه، فلو قَصَدَ تفويتَ الفضيلة عليه بغير ضرورة لم يكن له ذلك، وسنذكر مستنده في الكلام على قصة سالمٍ في أول حديثَي الباب. انتهى. قال العيني: قَيْدُ السيد لا طائل تحته، لأنَّ عند الضرورة الشرعية ليس عليه الحضورُ مطلقًا، كما في حقِّ الحرِّ. انتهى.
٦٩٢ - قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أي أبو إسحاق الحِزامي المدني، ترجمته في باب من سُئل علمًا وهو مشتغلٌ.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أي بكسر العين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف، مرَّ في باب التبرز في البيوت.
قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبدِ العمريُّ، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.
قوله: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته كلُّهم مدنيون.
قوله: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - مَوْضِعًا بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبَيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا)
مطابقته للترجمة من حيث أن فيه دلالة على جواز إمامة المولى.
هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة أيضًا عن القَعْنَبي عن

(^١) في (الأصل): «الصف»، والصواب: «اتصف».
(^٢) في (الأصل): «في»، والصواب: «أقرأ» كما في عمدة القاري.
(^٣) في (الأصل): «يؤم القوم»، والصواب: «يؤمهم».
(^٤) في (الأصل): «اقرؤهم»، والصواب: «قراؤكم» كما في سنن أبي داود.

1 / 251