Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
وعن ابن عمر نحوُه، وأَمَرَه بالإعادة. وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سُنَّة المأموم وأجزأته صلاته عند جمهور العلماء. وفي «المغني» لابن قدامة الحنبلي: فإن سبق إمامَه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك مؤتَمًَّا بالإمام، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهوًا أو جهلًا فلا شيء عليه، فإن سبقه عالمًا بتحريمه فقال أحمد في «رسالته»: ليس لمن سبق الإمام صلاةٌ، لقوله: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام...؟» الحديث، ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثوابُ، ولم يُخش عليه العقاب، وقال ابن بَزيزَة: استدل بظاهره قومٌ لا يعقلون على جواز التناسخ. قال شيخنا: وهو مذهب رديء مبني على دعاوى بغير برهان، والذي استدل بذلك منهم إنما استدل بأصل المسخ لا بخصوص الحديث.
لطيفة: قال صاحب القبس: ليس التقدم قبل الإمام إلا طلبُ الاستعجال ودواؤه أن يستحضرَ أنه لا يُسلِّمُ قبل الإمام ولا يستعجل في هذه الأفعال والله المستعان. انتهى.
وفي الحديث أيضًا: كمال شفقته ﷺ بأمته، وبيانُه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب. قلتُ: وفيه جوازُ قلبِ الأعيان، والله أعلم. انتهى.
(٥٤) (بَابُ إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى)
أي هذا بابٌ في بيان حكم إمامة العبد والمولى، أراد به المولى الأسفل وهو المعتوق، ولِلَفظ المولى معانٍ متعددة، والمراد به ههنا المعتوق. قال الزين بن المنير: لم يُفصح بالجواز، لكن لوَّحَ به لإيراده أدلتَه.
قوله: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ) أي أم المؤمنين.
قوله: (يَؤُمُّهَا) أي يصلي إمامًا لها.
قوله: (عَبْدُهَا ذَكْوَانُ) أي بالذال المعجمة، وكنيته أبو عمرو ومات في أيام الحرة أو قُتِل بها.
قوله: (مِنَ المُصْحَفِ) أي يقرأُ في صلاته بها في المصحف.
إيراده هذا الأثر يدل على أن مراده من الترجمة الجوازُ وإن كانت الترجمة مطلَقَةً، ووصل هذا ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة: أن عائشة ﵂ أعتقت غلامًا عن دُبُرٍ، فكان يؤمُّها في رمضان في المصحف. وروى أيضًا عن ابن عُليَّة عن أيوب سمعت القاسم يقول: كان يؤم عائشةَ عبدٌ يقرأ في المصحف. ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعبيدُ بن عمير والْمِسور بن مَخرَمة وناسٌ كثير، فيؤمُّهم أبو عمروٍ مولى عائشة، وهو يومئذ غلامٌ لم يُعتَق. وكان إمامَ بني محمد بن أبي بكر وعروةَ. وعند البيهقي من حديث أبي عتبة أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا محمد بن حمير حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن هشامٍ عن أبيه: أن أبا عمرو ذكوانَ كان عبدًا لِعائشة فأعتقته، وكان يقومُ بها شهر رمضانَ يؤمُّها وهو عبدٌ. وروى ابن أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة: أن عائشة كان يؤمُّها غلامُها ذكوان في المصحف.
قوله: (مِنَ المُصْحَفِ) ظاهرُه يدل على جواز القراءة في المصحف في الصلاة، وبه قال ابن سيرين والحكم وعطاء والحسن، وكان أنس يصلي وغلامه خلفه يمسك له المصحف، وإذا تعايا في آيةٍ فَتَح عليه. وأجازَه مالك في قيام رمضان،
وكرهه النخَعي وسعيد بن المسيب والشعبي، وهو رواية عن الحسن، وقال: هكذا يَفعلُ النصارى. وفي مصنف ابن أبي شيبة: وسليمانُ بن حنظلة ومجاهد بن جبير وحماد وقتادة.
وقال ابن حزم: لا تجوز القراءة من المصحف ولا من غيره لمصلٍّ إمامًا كان أو غيره، فإنْ تعمدَ ذلك بطلت صلاتُه، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وأبو عبد الرحمن السُّلَمي. قال العيني: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال صاحب «التوضيح»: وهو غريب لم أره عنه. قال العيني أيضًا: القراءة من مصحف في الصلاة مُفسِدةٌ عند أبي حنيفة لأنه عمل كثير، وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز، لأن النظر في المصحف عبادة، ولكنه يُكرَه لما فيه من التشبُّهِ بأهل الكتاب في هذه الحالة، وبه قال الشافعي وأحمد. وعند مالك وأحمد في رواية: لا تُفسِد في النفل فقط.
قال شيخنا: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرارَ إلا إن كان قارئًا وهم لا يقرؤون، فيؤمُّهم إلا في الجمعة لأنها لا تجب عليه، وخالفه أشهب واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها. وقال العيني: قال أصحابنا - أي الحنفية -: يكره إمامة العبد لاشتغاله بخدمة مولاه، وأجازها أبو ذر وحذيفة وابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وعن أبي سفيان أنه كان يؤمُّ بني عبد الأشهل وهو مكاتَب وخلْفَه صحابةٌ: محمد بن مَسلمة وسلمة بن سلامة (^١). وصلى سالم خلف زياد مولى أم الحسن وهو عبدٌ، ومن التابعين ابنُ سيرين والحسن وشريح والنخعي والشعبي والحَكَم، ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وأحمد والشافعي وإسحاق. وقال مالك: لا يؤم في جمعة ولا عيد، وعن الأوزاعي: لا يؤم إلا أهلَه. وممن كره الصلاة خلفَه: أبو مِجْلَز، فيما ذكره ابن أبي شيبة، والضحاك بزيادة: ولا يؤم من لم يحجَّ قومًا فيهم من قد حج. وفي «المبسوط»: إن إمامته جائزة وغيرُه أحبُّ.
قال العيني: ولا شك أن الحُرَّ أولى منه لأنه مَنصِبٌ جليل، فالحُّر أليق بها، وقال ابن خيران من أصحاب الشافعية: تُكره إمامتُه بالحُرِّ، وخالف سليم الرازي. ولو اجتمع عبدٌ فقيه وحُرٌّ غير فقيه فثلاثة أوجه: أصحها أنهما سواء، ويترجح مَن قال: العبد الفقيه أولى لِمَا أَنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة كان يؤمُّ المهاجرين الأولين في مسجد قُباء فيهم عمرُ وغيرُه، لأنه كان أكثرَهم قرآنا.
قوله: (وَوَلَدِ البَغِيِّ) عطفٌ على قولِه: (وَالمَوْلَى)، ولكن فَصَل بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه بأثر عائشة ﵂. والبغِيُّ بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة والتشديد، وهي: الزانية، ونقل ابن التِّين أنه رواه بفتح الباء وسكون الغين والتخفيف، والأولُ أولى، وغفل القرطبيُّ في مختصر البخاري فجعله من بقية الأثر المذكور.
وإلى صحة إمامة ولد الزنا ذهب الجمهور، وكان مالك يكره أن يُتَّخذ إمامًا زانيًا (^٢)، وعلته عنده أنه يصير مُعرَّضًا لكلام الناس فيأَثمون بسببه، وقيل لأنه ليس له في الغالب من يُفَقِّهُه (^٣) فيغلِب عليه الجهل، وأجاز النخَعي إمامتَه وقال: رُبَّ عبدٍ خيرٌ من مولاه، والشعبي وعطاء والحسن. وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيءٌ. ذكره ابن أبي شيبة،
(^١) في (الأصل): «سلام»، والصواب: «سلامة».
(^٢) كذا في (الأصل): «زانيًا»، ولعل الصواب: «راتبًا».
(^٣) في (الأصل): «يفقه»، والصواب: «يفقهه».
1 / 250