Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
ومدني. وفيه: أنه من رباعيات البخاري.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ»).
مطابقته للترجمة من حيث إنَّ فيه وعيدًا شديدًا وتهديدًا، ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثمٌ بلا نزاع.
قوله: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (أَوْ: لَا يَخْشَى). قال العيني: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، فرواية مسلم والترمذي وابن ماجه: «أما يخشى الذي يرفع رأسه»، وفي رواية النسائي: «ألا يخشى»، وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية شعبة: «أما يخشى أو ألا يخشى» بالشك، قال الكِرماني: الشك من أبي هريرة، وكلمة: (أَمَا) بتخفيف الميم، حرف استفتاح مثل ألا. وأصلُها ما النافية دخلت عليها همزة استفهام، وهو ههنا استفهام توبيخ وإنكار.
قوله: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)، زاد ابن خزيمة من رواية حماد بن زيد عن محمد بن زياد: «في صلاته»، وفي رواية حفص بن عمر: «الذي يرفع رأسه والإمامُ ساجد». فتبيَّنَ أن المراد بالرفع: من السجود، ففيه التعقُّب على من قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نص في السجود ويلتحق به الركوع لكونه في معناه كما تقدم ذلك آنفًا.
قال شيخنا: ويمكن الفرق بينهما بأنَّ السجود له مزية لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه، لأنه غاية الخضوع المطلوب منه فلذلك خُصَّ بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهو: ذِكرُ أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود فقيل: يلتحق به من باب الأولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائلِ، والركوعُ والسجودُ من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد. ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح، لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعَهُ عن غاية كماله، ودخولُ النقص في المقاصد أشدُّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخرَ أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعًا: «الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان» وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى.
قوله: (أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ). قال العيني: وههنا أيضا اختلف ألفاظ الحديث، ففي رواية يونس بن عبيد عند مسلم: «ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته أن يحوِّلَ الله صورتَه في صورة حمار؟». وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: «أن يجعل الله وجهَه وجهَ حمار؟». وفي روايةٍ لابن حِبَّان من رواية محمد بن ميسرة عن محمد بن زياد: «أن يحوِّلَ الله رأسَه رأسَ كلب». وفي رواية الطبراني في «الأوسط» من رواية محمد بن عمر عن ابن سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «ما يُؤَمِّنُ مَن يرفع رأسه قبل الإمام ويضعه». وفي رواية الدارقطني من رواية
مليح السعدي عن أبي هريرة قال: «الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان». ورواه البزار أيضًا كما ذكرناه، وذكرنا الآن أيضًا عن ابن مسعود: «أن يعودَ رأسُه رأسَ كلب؟» وهو موقوف، ولكنه لا يدرَك بالرأي فحكمُه حكمُ المرفوع.
قوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) قال الكِرماني أيضًا: الشك فيه من أبي هريرة. وقال شيخنا: الشك فيه من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلمُ من رواية يونس بن عبيد والربيعِ بن مسلم، كلُّهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمَّادان فقالا: (رَأْسَ)، وأما يونس فقال: (صُورَةَ)، وأما الربيع فقال: (وَجْهَ). والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة، لأن الوجه من الرأس ومعظمُ الصورة فيه. والصورة تُطلق على الوجه أيضًا، وأما: الرأسُ، فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتَمَدة، وخُصَّ وقوع الوعيد عليها لأنَّ بها وقعت الجناية. انتهى.
قال العيني: لا يلزم من إخراج مَن ذَكَرهُم بغير تردد أنْ لا يُخرِج غيرُهُم بتردد، فإذا كان الأمرُ كذلك يُحتمل أن يكون التردد من شعبة أو من محمد بن زياد أو من أبي هريرة، فمن ادعى تعيينَ واحدٍ منهم فعليه البيان، وأما اختلافُهم في الرأس أو الصورة أو الوجهِ كيف يكون من تصرف الرواة ولكل واحد من هذه الألفاظ معنى في اللغة يغاير معنى الآخر؟ أما الرأس فإنه اسم لعضو يشتمل على الناصية والقفا والفَوْدَين. والصورة: الهيئَةٌ، ويقال: صورته حسنة أي هيئته وشَارَتُه، وتطلق على الصفة أيضًا يقال: صورة الأمر كذا وكذا أي: صفته، وتطلق على الوجه أيضًا يقال: صورته حسنة أي: وجهه، وتطلق على شكل الشيء وعلى الخِلقةِ. والوجهُ اسم لما يواجهه الإنسان، وهو من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا. والظاهر أن هذا الاختلاف من اختلاف تعدد القضية. وقول عياض: إن هذه الروايات متفقة... إلى آخره. فيه نظر، لأن الوجه خلافُ الرأس لغةً وشرعًا. انتهى. قلتُ: لا يلزم من كون الرأسِ يغاير الصورة أنْ لا تتصرف الرواةُ في ذلك، وقد وقع مثلُ هذا كثير حتى ألَّفَ الخَطَّابيُّ في ذلك تأليفًا. انتهى.
واعلم أن العلماء اختلفوا في معنى الوعيد المذكور فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإنَّ الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعةِ الإمام، ويُرجِّح هذا المجاز أنَّ التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله مُتَعرضًا لذلك وكونِ فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيءِ وقوعُ ذلك الشيء، قاله بن دقيق العيد. وقال ابن بَزيزة: يُحتمل أن يراد بالتحويل المسخُ أو تحويل الهيئة الحَسَنة أو المعنوية أو هما معًا. وحمله آخرون على ظاهره إذْ لا مانع من جواز وقوع ذلك.
1 / 248